لم تضع الحرب أوزارها بعد، فحكايا الفقد والألم والإبادة لا تنتهي في غزة، تُرهق قلوب من عاشوها ولا زالوا يحاولون الصمود مع عبء ما حملوه من ألم وفقد، حتى فقدت الحياة لونها، وأصبحت فصولها همومًا محمّلة بالوجع.
بصوتٍ مثقلٍ بالوجع، تحكي الحاجة أديبة أبو عمشة، النازحة من بيت حانون شمال قطاع غزة، فصول رحلتها الطويلة بين محطات الخوف والجوع والمطر والرصاص، تخللها حكاية استشهاد زوجها المقعد والأسير المحرر من سجون الاحتلال.
تروي الحاجة أديبة حكايتها لـ "وكالة سند للأنباء"، "خرجنا من بيت حانون إلى الشجاعية، وبعد اقتحام الشجاعية ذهبنا إلى مدرسة قرب أصدقاء المريض. وبعدها أخرجونا مرة أخرى تحت تهديد السلاح".
تجلس على كرسي أمام خيمتها المتهالكة، وتكمل: "كان معي زوجي، وهو أسير محرر أمضى 7 سنوات في سجون الاحتلال. خرج من السجن وهو غير واعٍ نتيجة التعذيب، كان مقعداً ولا يقدر على قضاء حاجته بنفسه، ورغم ذلك لم يراعوا وضعه ولم يرأفوا بحاله".
تسرد وهي تحاول تثبيت نبرة صوتها: "رفضنا نحن النساء الخروج من المدرسة حتى لا يستفرد الاحتلال بالشبان، فهددونا بقتل الرجال إن لم نخرج. وأعطونا خريطة نسير وفقها باتجاه دير البلح؛ طريق مليئة بالجيش، بالدبابات، إضافة للجو الماطر والبرد."
على طريق البحر الهائج، مشت الحاجة أديبة بين الريح وجثث الشهداء، وتحدثنا: ""رأينا شهداء تنهشهم الكلاب على طريق البحر. خلال الطريق لم أستطع المواصلة، امتلأت بالطين وتعبت. ناداني أحد الجنود وقال: خطر يا حجة خطر. قلت له إني لا أستطيع وأحتاج المساعدة."
لكن المساعدة التي جاءت كانت مزيداً من الإهانة، "أرسلوا طائرة درون وأجبروني على عبور طريق وحفرة مليئة بالمياه."
أما عن زوجها، فالألم يصل ذروته حين تتحدث عنه: "اعتقلوا زوجي عند نزوحنا رغم وضعه الصحي، وأعدموه بالرصاص. عثر بعض الشبان على جثمانه بعد نحو 7 شهور على طريق البحر.. وكان معه هويته اتصلوا بأولادي وذهبوا لاستلامه."
هكذا تُقفل الحاجة أديبة فصلها المرير، تاركة حكايات أخرى لا تنتهي من حكايات الإبادة المستمرة، وتُكتب بدموع السائرين في طرقات الموت.
