شهد عام 2025 في قطاع غزة ذروة كارثية في تدهور الأوضاع الإنسانية، حيث أصبح السكان يعيشون في بيئة أقرب إلى الانهيار الشامل.
فقد ترافقت سياسات القتل والاستهداف المباشر مع تفكيك ممنهج لكل مقومات الحياة، وعلى رأسها منظومة الغذاء، ما حوّل الحياة اليومية لأكثر من 2.4 مليون إنسان إلى صراع مفتوح من أجل البقاء.
خلال عام 2025، جرى تفكيك منظومة الغذاء في قطاع غزة خطوةً خطوة؛ بدءًا من تدمير الأراضي الزراعية ومصادر الإنتاج المحلي، مرورًا بشلّ سلاسل التوريد ومحاصرة المعابر، ومنع إدخال المواد الأساسية، وصولًا إلى استهداف مخازن الغذاء، والمخابز، ومراكز الإغاثة.

وبهذا، أُعدم مفهوم "السلة الغذائية" عمليًا، وحلّ مكانه واقع الندرة القسرية وسوء التغذية الجماعي.
في هذا التقرير، ترصد "وكالة سند للأنباء" كيف تحوّل عام 2025 إلى عام تسييس الرغيف وتجريم الطعام، واستخدام الجوع كسلاح ضغط جماعي، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، وتكشف بالأرقام والشهادات كيف أُعيد رسم خريطة الحياة اليومية في غزة.
الأسوأ تاريخيًا..
يؤكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أن الوضع الإنساني في قطاع غزة خلال عام 2025 يُعدّ الأسوأ تاريخيًا منذ أكثر من عقدين، حيث يعيش أكثر من 2.4 مليون إنسان تحت سياسات القتل، والتجويع، والنزوح القسري، في مشهد غير مسبوق من الانهيار الإنساني الشامل.
وأوضح الثوابتة في تصريحات خاصة لـ"وكالة سند للأنباء" أن العام شهد تصاعدًا خطيرًا في وفيات الجوع وسوء التغذية، إلى جانب ارتفاع حاد في انتشار الأمراض المعدية، لا سيما بين الأطفال وكبار السن، بالتوازي مع تآكل شبه كامل لشبكات الحماية الاجتماعية، ما يجعل توصيف ما يجري بأنه "أزمة إنسانية" توصيفًا قاصرًا، في ظل واقع أقرب إلى الانهيار الممنهج لكل مقومات الحياة.
وبيّن أن دخول المساعدات الإنسانية والبضائع إلى قطاع غزة خلال عام 2025 كان محدودًا وغير منتظم، ولم يلبِّ الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للسكان، حيث تعاني غالبية العائلات من نقص حاد في الغذاء، والمياه الصالحة للشرب، والأدوية الأساسية، والخدمات الصحية.
وأشار الثوابتة إلى أن عدد الشاحنات التي كان من المفترض إدخالها إلى قطاع غزة خلال العام بلغ نحو 198 ألف شاحنة، إلا أن الاحتلال سمح فعليًا بدخول 21,974 شاحنة فقط، ما يعني منع دخول أكثر من 176 ألف شاحنة من المساعدات والبضائع التجارية.

وبناءً على ذلك، أوضح أن نسبة الالتزام الفعلي لإدخال الشاحنات لم تتجاوز 11%، لافتًا إلى أن ما سُمح بإدخاله خضع لقيود مشددة واستخدام سياسي وابتزاز واضح، دون أن يسهم في تحقيق أي استقرار للأسواق أو توفير حد أدنى من الأمن الغذائي.
وأضاف أن هذا النقص الحاد في البضائع الأساسية أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية، وزيادة معدلات الفقر المدقع، واعتماد الغالبية الساحقة من السكان على المساعدات الإنسانية، في مقابل فئة محدودة تعتمد على الرواتب أو الموارد الذاتية.
وعلى الصعيد الصحي، أكد الثوابتة أن الواقع الصحي تأثر بشكل مباشر، حيث سجلت المستشفيات والمراكز الصحية ارتفاعًا ملحوظًا في حالات الأمراض المعدية، نتيجة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى توقف العديد من خدمات الرعاية الصحية الأولية، ما فاقم من هشاشة الوضع الإنساني.
وحذر الثوابتة من أن استمرار هذه السياسات سيقود إلى انهيار كامل في قطاع غزة، مشددًا على ضرورة تدخل دولي عاجل لرفع القيود المفروضة على إدخال المساعدات، وضمان توفير الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم، وحماية المدنيين من كارثة إنسانية متفاقمة.
وأشار إلى أن الحكومة تعمل بالتوازي مع المؤسسات الدولية والمحلية على توفير ممرات إنسانية آمنة، وتعزيز قدرات الاستجابة الإنسانية، وتنسيق جهود توزيع المساعدات، مؤكدًا أن الحل الجذري والمستدام لن يتحقق إلا بإنهاء الحصار ورفع القيود المفروضة على سكان قطاع غزة.
من الحصار إلى الهندسة.. كيف صُمّم الجوع؟
تكشف المعطيات الميدانية أن ما جرى خلال عام 2025 لم يكن نتيجة نقص عارض أو خلل إنساني مؤقت، بل عملية هندسة متكاملة للتجويع، استهدفت الجسد الفلسطيني في صحته، وغذاءه، وقدرته على الصمود، عبر مسارات متوازية شملت إغلاق المعابر، تعطيل الإمدادات، واستهداف مصادر الإنتاج المحلي.
ويصف مدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، عام 2025 بأنه "عام هندسة التجويع الممنهج"، مؤكدًا أن الاحتلال انتقل من القتل بالقصف إلى القتل البطيء عبر الحرمان من السعرات الحرارية ومنع تدفق أبسط مقومات الحياة.
وقال البرش في تصريح خاص لـ"وكالة سند للأنباء" إن ما شهده القطاع لم يكن أزمة إنسانية عابرة، بل عملية هندسية متكاملة الأركان، بدأت بإغلاق المعابر بشكل كامل منذ مارس/ آذار الماضي، بهدف كسر إرادة السكان وتحويل الجسد الفلسطيني إلى ساحة للموت التدريجي.

وبيّن أن أكثر من 460 مواطنًا ارتقوا جوعًا وعطشًا داخل المستشفيات، بينهم 157 طفلًا، في ظل عجز الطواقم الطبية عن توفير أبسط الاحتياجات العلاجية، كالمحاليل الوريدية أو حليب الأطفال.
وأشار إلى أن ما يزيد عن 2,300 مواطن استُشهدوا في مجازر استهدفت قوافل المساعدات أو أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء.
وحذر البرش من أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للكارثة، لافتًا إلى أن التقديرات الدولية التي تشير إلى وفاة أكثر من 10 آلاف شخص بأسباب غير مباشرة مرتبطة بالتجويع هي تقديرات واقعية، في ظل الانهيار الواسع للجهاز المناعي للسكان.
وأضاف أن سياسة التجويع لم تستهدف إحداث الموت الفوري، بل صُممت لإبقاء السكان تحت حافة الهلاك، حيث تحولت أقسام العناية المركزة خلال أشهر الصيف إلى وحدات لرصد توقف قلوب الأطفال نتيجة سوء التغذية الحاد.

إعدام السلة الغذائية
ولم تكتمل هندسة التجويع دون ضرب القدرة الذاتية على الإنتاج الغذائي، ففي هذا السياق، يؤكد المتحدث باسم وزارة الزراعة، المهندس محمد أبو عودة، أن قطاع غزة تعرّض لـ "إبادة زراعية شاملة"، هدفت إلى تصفية مقومات السيادة الغذائية الفلسطينية.
وأوضح أبو عودة أن سيطرة الاحتلال على ما يُعرف بـ"المناطق الصفراء" التهمت نحو 54% من مساحة قطاع غزة، وهي المناطق التي تمثل الخزان الاستراتيجي للسلة الغذائية، وتضم معظم الأراضي الزراعية الخصبة ومناطق الإنتاج الرئيسية في خانيونس ورفح وشمال القطاع.
وبيّن لـ "وكالة سند للأنباء" أن أكثر من 85% من الأراضي الزراعية تعرضت للتدمير المباشر، فيما جرى تدمير نحو 90% من القطاع الحيواني ومزارع الدواجن، ما أدى إلى فقدان شبه كامل لمصادر البروتين المحلي، وفرض اعتماد قسري على المعلبات الشحيحة.

وقدّرت الخسائر المباشرة وغير المباشرة في القطاع الزراعي بأكثر من 3.5 مليار دولار، تشمل تدمير الآبار، شبكات الري، البيوت البلاستيكية، وتلوث التربة بمخلفات المتفجرات، الأمر الذي يعني فقدان مواسم زراعية لسنوات قادمة، حتى في حال توقف العدوان.
وأضاف أن الاحتلال لم يكتفِ بالسيطرة الجغرافية، بل تعمد تدمير المحررات الزراعية التي كانت تشكل رافعة اقتصادية للقطاع، ما أدى إلى قفزات جنونية في أسعار السلع الأساسية، وعمّق واقع الندرة، بما يخدم سياسة هندسة التجويع.
وحذر أبو عودة من أن استعادة السلة الغذائية لغزة ستحتاج إلى سنوات طويلة من استصلاح التربة وإعادة بناء البنية التحتية، مؤكدًا أن ما يجري هو تصفية متعمدة لكل مقومات الأمن الغذائي.
انهيار البلديات والبنية التحتية
لم تتوقف آثار هندسة التجويع عند حدود الغذاء والصحة والزراعة، بل امتدت لتصيب البنية الخدمية للمدن نفسها، في مسار متكامل حوّل الجوع إلى أزمة بيئية وصحية مركبة.
في هذا السياق، يقول رئيس اتحاد البلديات في قطاع غزة ورئيس بلدية غزة، يحيى السراج، إن الاحتلال دمّر ما يقارب 80% من مقار وممتلكات البلديات في القطاع، بما يشمل البنى الإدارية، المخازن، الورش، والمراكز الخدمية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في القدرة المؤسسية على الاستجابة للأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وأوضح السراج في تصريحات خاصة لـ"وكالة سند للأنباء" أن هذا الدمار الواسع طال المقار الرسمية لبلدية غزة وعدد كبير من بلديات المحافظات الأخرى، إضافة إلى استهداف المخازن الحاكمة للآليات وقطع الغيار ومواد الصيانة، الأمر الذي ترك البلديات بلا أدوات تشغيلية فعلية.
وأشار إلى أن البلديات كانت تمتلك قبل العدوان أكثر من 650 آلية، لم يتبقَ منها سوى نحو 120 آلية صالحة للعمل، في حين دُمّر الباقي أو خرج عن الخدمة نتيجة القصف أو نقص قطع الغيار، في ظل منع إدخال المعدات الثقيلة والمواد الأساسية.
وبيّن السراج أن الموظفين يعملون في ظروف شديدة القسوة، مع نقص حاد في الوقود، معدات الحماية، وقطع الغيار، ما جعل تنفيذ أبسط المهام الخدمية كجمع النفايات، إصلاح الطرق، أو صيانة شبكات المياه أمرًا شبه مستحيل.
وأضاف أن البلديات تواجه عجزًا لوجستيًا هائلًا في إدارة النفايات الصلبة، فيما تعاني شبكات الصرف الصحي من انهيارات متكررة، الأمر الذي فاقم من مخاطر التلوث وانتشار الأمراض، خاصة في ظل سوء التغذية وضعف المناعة لدى السكان.
ولفت إلى أن أكثر من 70% من الطرق الرئيسية والفرعية تعرضت للتدمير، وتحتاج إلى ترميم عاجل، غير أن غياب المعدات والمواد اللازمة يعوق أي تدخل فعلي، بينما تتطلب السيطرة على أزمة الأنقاض وحدها أكثر من 2,000 آلية ثقيلة تعمل بشكل متواصل، وهو ما يفوق بكثير الإمكانات الحالية للبلديات.
وحذّر السراج من أن استمرار منع إدخال المعدات الأساسية والوقود ينذر بانهيار كامل للقدرات المؤسسية للبلديات، ما يعني تعميق الكارثة الإنسانية وتحويل الجوع إلى تهديد صحي وبيئي شامل، داعيًا المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية إلى تدخل عاجل لإنقاذ ما تبقى من مقومات الحياة في المدن الفلسطينية.
انتهاكات فوق القانون الدولي
قانونيًا يقول رئيس هيئة "حشد" للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، صلاح عبد العاطي إن التجويع لم يكن مجرد أثر جانبي للحرب، بل سياسة متعمدة لإضعاف صمود السكان وكسر إرادتهم، عبر تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، ومنع دخول المواد الأساسية، واستهداف الأراضي الزراعية والمخابز ومخازن الأغذية، وصولًا إلى تعطيل مراكز الإغاثة.
ويؤكد عبد العاطي لـ "وكالة سند للأنباء" أن هذه السياسات تنتهك أحكام القانون الدولي الإنساني بشكل صارخ، لا سيما اتفاقيات جنيف التي تحظر استخدام التجويع كسلاح في النزاعات المسلحة، وتُلزم قوة الاحتلال بضمان وصول الغذاء والدواء للسكان المدنيين تحت الاحتلال.
وأضاف أن ما جرى في غزة خلال عام 2025 يُصنف كجريمة حرب وجرائم ضد الإنسانية، داعيًا المجتمع الدولي، وهيئات الأمم المتحدة، والمحاكم الدولية، إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، ووقف الإفلات من العقاب، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الهندسة الممنهجة للتجويع، وضمان حماية المدنيين وحقهم غير القابل للتصرف في الغذاء والحياة الكريمة.
وشدد أن ضمان حقوق الفلسطينيين في غزة لا يتم فقط بتوثيق الانتهاكات، بل عبر اتخاذ إجراءات عاجلة لإيقاف هذه السياسات وإنقاذ ما تبقى من حياة المدنيين، واستعادة مقومات صمود المجتمع.

