بين طرقٍ مدمّرة ومواصلاتٍ شبه معدومة، تخوض المرأة الفلسطينية العاملة في قطاع غزة معركةً يومية محفوفة بالعناء لكسب لقمة العيش؛ معركة تبدأ قبل شروق الشمس، ولا تنتهي إلا قبل أن يبتلع الظلام ما تبقّى من نهارٍ قصير. وبين الخروج المبكر والعودة المتأخرة، تتآكل حياتها الاجتماعية حتى تكاد تنعدم، وتدفع ثمن العمل بغيابها القسري عن تفاصيل أمومتها، مثقلةً بشعور دائم بالذنب تجاه أطفالٍ لا يرونها إلا عابرة بين تعبٍ وتعب.
وتحوّلت حياة النساء في غزة إلى صراع يومي من أجل البقاء، وأصبح العمل، سواء داخل المنزل أو خارجه، مهمة شبه مستحيلة، حيث تُقدَّر نسبة النساء العاملات أو المشاركات في سوق العمل في القطاع بنحو 12 ٪ من قوة العمل، استنادًا إلى آخر مسح رسمي صادر عن مركز الإحصاء الفلسطيني والذي نُشر في أبريل/ نيسان 2025.
مشوبة بكدر..
تستيقظ منسقة المشاريع سوسن عياد النازحة وسط قطاع غزة عند الخامسة فجراً، لا لأن النهار يبدأ باكرًا، بل لأن الوصول إلى العمل بات رحلة شاقة تتطلب ساعات من الانتظار والمخاطرة. تحاول أن تسبق الوقت، وأن تتفادى عتمة الطرق المدمّرة، لتصل إلى مدينـة غزة حيث تبدأ دوامها عند الثامنة صباحًا.
وتقول "عياد" لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، إنها تضطر لمغادرة منزلها عند السادسة صباحًا، في ظل مواصلات شبه معدومة وبنية تحتية متهالكة، لتصل إلى عملها بعد ساعتين من المعاناة، وتبدأ هناك صراعًا آخر من نوع مختلف؛ ضغط العمل واستنزاف الطاقة. وتعود إلى بيتها قرابة الرابعة عصرًا، وقد شارف النهار على الانتهاء، تاركًا لها وقتًا لا يكفي للحياة.
وبمجرد عودتها، لا تنتهي الرحلة. توضح "عياد"، "يبدأ هنا فصلًا ثانيًا من الاحتراق الوظيفي الذي تعيشه معظم النساء العاملات في غزة؛ رعاية الأطفال، إدارة شؤون المنزل، والتحضير ليوم عمل جديد، بينما تتآكل الحياة الاجتماعية حتى تكاد تنعدم، تحت وطأة الوقت الضيق والإرهاق المتراكم".
وصحيًا، تعود "عياد" مرهقة الجسد، مثقلة بالتعب، بسبب وعورة الطرق وانعدام البنية التحتية، معربة عن استيائها من واقعٍ لا يراعي الحد الأدنى من السلامة الإنسانية. وتضيف: "ممكن السيدة تكون تعاني من مرض، أو تكون مُصابة، أو حتى حاملاً.. الطريق لا يرحم".
وتُبيِّن "عياد" أن المرأة في غزة لم تعد فقط شريكة في إعالة الأسرة، بل أصبحت عمودها الفقري، المسؤولة عن التربية والتعليم والرعاية وشؤون المنزل كافة، وهو عبء ثقيل "يحتاج كتفًا قويًا ليتحمل".
وبشعور أمومةً يُثقله الذنب تروي "عياد" لمراسلتنا بعضاً من مواقف تُثير حفيظة كل أم قائلةً: "كان في يوم إجازة رسمي جلست مع أطفالي، وفي اليوم التالي قالوا لي حلوة الإجازة ما تروحي على الشغل يا ماما خليكي معنا إحنا ما بنشوفك".
كلماتٌ خرجت ببراءة الأطفال، لكنها سقطت كالنار في قلب أمٍ مجبرة على العمل، في واقعٍ لا يترك لها خيارًا، ولا يمنحها حق الغياب أو الحضور الكامل في حياة أبنائها.
"كل يوم بدك تسيبينا"؟
وتعمل المرأة الغزية وهي تدرك أن الوصول إلى مكان عملها قد يستنزف طاقتها أكثر من العمل ذاته، وأن العودة إلى بيتها قبل حلول الليل باتت ضرورة لا خيارًا، في ظل بنية تحتية منهكة، وأيام لا تتّسع للحياة. ورغم ذلك، تواصل السير لا لأن الظروف مواتية، بل لأن التوقف لم يعد متاحًا.
ولا يختلف الحال عن الصحفية أحلام عبد الله، والتي تحاول جاهدةً ترتيب مهام بيتها مع أطفالها وواجباتهم المدرسية، وسط تذمر واضح من الأطفال "كل يوم بدك تسيبينا".
وتحمل نظرات العتاب البريئة من الأطفال لوماً على الغياب الطويل، كما وصفته "عبد الله"، مبينةً أن "أطفالي بحاجة لي، بحاجة لوجود الأم بجانبهم في هذه المرحلة تحديداً، لكن ما باليد حيلة".
وتستغرق "عبد الله" بحسب ما حدثت به مراسلة "وكالة سند للأنباء"، 6 إلى 7 ساعات يومياً خارج المنزل، في توقيت شتوي "يزيد الطين بَل"، لافتةً إلى أنَّ "النهار قصير، ولا أتمكن من إنجاز كل ما هو مطلوب من رعاية للأطفال والانتباه إلى الحياة الاجتماعية، وإتمام مهام العمل".
وعلى صعيد اجتماعي، تصف علاقتها بمحيط أقاربها وأصدقائها بـ"العلاقات الاجتماعية صفر"، مضيفةً: "مشوشة مشتتة لا تركيز، والخوف سيد الموقف في ظل الخروقات المستمرة لوقف إطلاق النار". "أفتقد لزيارة الأقارب، العائلة، لكن اليوم أقصر من أن يُملأ بكل هذا لينتهي بي المطاف مرهقةً أبحث عن قليلٍ من راحة".
وتزيد: "حياتنا غير سهلة في ظل حرب الإبادة بعدم توفر غاز الطهي أو الكهرباء التي تخفف من الأعباء اليومية شيئاً قليلاً".
"أصعب المراحل"..
وزيرة شؤون المرأة، منى الخليلي، تصف في تصريحات صحفية المرحلة الحالية بأنها من أصعب المراحل في تاريخ المرأة الفلسطينية، حيث دمر العدوان البنية التحتية، بما في ذلك المنازل والمستشفيات والمدارس، إضافة إلى تدمير النسيج الاجتماعي والاقتصادي.
وتُوضح أن النساء فقدن بيوتهن ومصادر رزقهن وأمانهن في آن، خاصة مع ارتفاع نسبة البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي جعل المسؤولية مضاعفة عليهن، واضطرت كثيرات إلى أن يصبحن المعيل الوحيد للأسرة في ظروف "شبه مستحيلة".
وتطرقت الوزيرة إلى التحديات المركبة التي تواجهها المرأة، وأبرزها: التحديات الاقتصادية والمعيشية، التي تتمثل في تأمين الطعام والشراب، ونقص حاد في المواد الغذائية والمياه النظيفة، وفقدان مصادر الدخل.
وتشير إلى أن المرأة تعاني أيضًا من انعدام الأمن، وتعيش في خوف دائم من القصف والنزوح، وتبحث عن وسيلة لتأمين الحد الأدنى من السلامة لأطفالها.
