لم تكن العودة إلى قطاع غزة عبر معبر رفح نهاية رحلة من البُعد، بل بداية مواجهة جديدة مع الألم والإذلال. فلسطينيون شتّتتهم الحرب وأغلقت في وجوههم كل الطرق، يعودون اليوم بشروط قاسية وإجراءات مهينة، حاملين ما تبقى من ذاكرتهم وأوجاعهم، يفضلون غبار غزة على الغربة، وركام المنازل على البُعد القسري، بينما تكشف شهادات قاهرة عن تحقيقات وتهديدات وانتهاكات إسرائيلية رافقت طريق العودة.
ووصلت مساء أمس الإثنين، أول حافلة إلى قطاع غزة تقِل 12 مواطناً من العائدين إلى جُلهم من السيدات، بعد انتظار طويل أمام إغلاق معبر رفح البري، تبعتها الحافلة الثانية صباح اليوم.
وكشفت مصادر صحفية أنَّ 30 عائداً إلى قطاع غزة من أصل 42 مُنعوا من الدخول وأُعيدوا إلى الجانب المصري.
كما أوقف مسلحون مقنعون العائدين إلى غزة عند حاجز يبعد 500 متر عن معبر رفح، وشرعوا بتسليم العائدين لنقطة للاحتلال الإسرائيلي حيث حقق معهم وصودرت أغراضهم.
تحقيق وابتزاز..
سيدة فلسطينية تروي بعضاً من صنوف التعذيب طوال الطريق، والتي كان على رأسها التحقيق لساعات، وتهديد النساء بأغلى ما يملِكن.
تقول السيدة: "حققوا معنا لساعات، أنا ومجموعة من النساء. هددوني بأطفالي، قالوا لي إنهم سيحرمونني منهم إذا لم أُجب كما يريدون، وهددوني بأخذي كأسيرة إلى سجون الاحتلال".
وبحرقة تختصر وجع الغزيين، تصرخ السيدة ذاتها رافضة فكرة التهجير: "لا للتهجير.. ما حدا يهاجر خارج غزة.. خارج غزة موت وذل".
وتوضح أن سلطات الاحتلال منعت إدخال معظم ممتلكات المسافرين العائدين من مياه وعطور وهدايا، سامحةً فقط بحقيبة واحدة لعدد قليل من الملابس.
وتشدد في حديثها، أن جيش الاحتلال يسعى لإخراج أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين من قطاع غزة، بينما لا يسمح بدخول إلا قلة من العائدين إلى البلاد.
وفي شهادة أخرى، تكشف سيدة فلسطينية ثانية عن محاولات ابتزاز مباشرة، مؤكدة أنها دُعيت للعمل "متخابرة" مع جيش الاحتلال داخل قطاع غزة.
وعن الإذلال الممنهج خلال رحلة العودة، تذكر تستذكر سيدة فلسطينية ثالثة مشقة وتعدد نقاط التفتيش، قائلةً: "فتشونا في أكثر من نقطة، نبشوا الحقائب وكسروا بعض أغراضنا. الطريق كان طويل ومتعب، وكل خطوة كانت مليئة بالذل، لكن رغم ذلك كنا متمسكين بالوصول إلى غزة."
"إرهاب منظم"..
وتعقيباً على انتهاكات الاحتلال، أكدت حركة حماس في تصريح صحفي تابعته "وكالة سند للأنباء"، اليوم الثلاثاء، أنَّ ما تعرّض له العائدون إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، من سوء معاملة وتنكيـل وابتزاز متعمّد، على أيدي قوات الاحتلال؛ يُشكّل سلوكًا فاشيًا وإرهابًا منظّمًا، يندرج في سياق سياسات العقاب الجماعي.
وبيَّن أنَّ الشهادات الميدانية المؤلمة كشفت عن ممارساتٍ مهينة، من بينها اقتيادُ نساءٍ من بين المسافرين، وتعصيبُ الأعين، وإخضاعُهنّ لتحقيقاتٍ طويلةٍ بأسئلةٍ لا علاقة لهنّ بها، وتهديدُ بعضهنّ بأطفالهنّ، ومحاولاتُ الابتزاز لإجبار إحداهنّ على التعاون.
وشددت أنَّ ما يجري يؤكد أن ذلك ليس "إجراءات عبور"، بل انتهاكاتٌ ممنهجة تستهدف زرع الخوف وثني الناس عن العودة إلى ديارهم.
وطالبت الحركة المؤسسات الحقوقية الدولية بضرورة توثيق هذه الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي تعرّض لها المسافرون العائدون إلى غزة، ورفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الدولية والوطنية المختصة؛ لمحاسبة قادة الاحتلال على هذه الجرائم المروّعة، التي تأتي في سياق العدوان المتواصل على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
وجددت حماس مطالبتها للوسطاء والدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار بالتحرك الفوري لوقف هذه الممارسات الفاشية لا سيما مع دخول الاتفاق مرحلته الثانية.
ونادت بضرورة إلزام الاحتلال بفتح معبر رفح بشكل طبيعي ودون قيود، وضمان حرية وسلامة المسافرين دخولًا وخروجًا، وفقًا لما نصّ عليه الاتفاق.
قيود صارمة على معبر رفح.. وإعادة فتح "ظاهري"
ويعد معبر رفح الممر الوحيد لأكثر من مليوني نسمة في قطاع غزة نحو العالم الخارجي، من طلاب، ومرضى، وتجار، وهو المدخل الرئيسي لقوافل المساعدات الطبية والغذائية والوقود، كما يُعتبر رمزاً للاتصال الجغرافي الفلسطيني مع العمق العربي.
والأحد، فُتح معبر رفح بشكل "تجريبي"، بالاتجاهين، وذلك للمرة الأولى منذ احتلال مدينة رفح في 7 مايو/ أيار 2024، وإغلاق المعبر منذ ذلك الوقت بشكل كامل أمام المواطنين بمن فيهم الحالات الإنسانية.
ورغم إعادة فتح معبر رفح، إلَّا أن قيوداً إسرائيلية صارمة لازالت تُفرض على الفلسطينيين، على صعيد حالات المرضى والجرحى منتظري السفر لتلقي العلاج، أو الغزيين العالقين في جمهورية مصر بانتظار العودة إليه.
وأظهرت صور حديثة أن المعبر تعرّض لدمار واسع منذ توغّل الاحتلال في مايو 2024، مع تعبيد جزئي للطريق وتجهيز ممرات جديدة لتسهيل حركة المرضى، بينما تحتل "إسرائيل" الجانب الفلسطيني من المعبر ضمن حربها المستمرة في غزة منذ أكتوبر 2023.
