بين جدران مستشفى الأهلي في مدينة الخليل، يرقد محمد أبو صبحة بين الوعي والغيبوبة، فيما يعلو رأسه المثقل بالكسر والنزيف سؤالٌ واحد: كيف يتحول الإنسان إلى هدفٍ لمجرد أنه متمسك بأرضه؟!.
إصابات "أبو صبحة" ليست مجرد جراحٍ في الجسد، بل شهادة حيّة على واقعٍ قاسٍ تعيشه مسافر يطا، إلى الجنوب من مدينة الخليل، حيث يُترك الفلسطيني وحيدًا في مواجهة عنفٍ منظم، يُمارَس عليه بلا رادع.
وكان المواطن محمد أبو صبحة (49 عامًا) من خربة الفخيت بمسافر يطا، قد تعرض لاعتداء وحشي من قبل مستوطنين مسلحين وملثمين، يوم الثلاثاء 27 كانون الثاني/ يناير 2026، أسفر عن إصابته بجروح بالغة الخطورة.
ويروي أبو صبحة لـ "وكالة سند للأنباء"، تفاصيل الهجوم، قائلًا إن سيارتين تابعتين للمستوطنين وصلتا إلى محيط مكان سكنه، وترجل منهما عدد من المستوطنين الذين انهالوا عليه بالضرب بالعصي والهراوات الحديدية والأدوات الحادة على مختلف أنحاء جسده، ما أدى إلى فقدانه الوعي.
وأضاف أنه استفاق لاحقًا داخل المستشفى ليبلغه الأطباء بأن الاعتداء تركز على الرأس بشكل مباشر، متسببًا في تهتك وكسر في الجمجمة، ونزيف حاد في الدماغ، وكسور في الأضلاع، استدعت إدخاله إلى العناية المكثفة وهو في حالة غيبوبة.
ووفق إفادات محلية، وقع الاعتداء بينما كان أبو صبحة يحاول مساعدة جيرانه في خربة الحلاوة الذين تعرضوا لهجوم متزامن، حيث كمن له المستوطنون تحت حماية قوات الاحتلال، التي أعاقت وصول طواقم الإسعاف لإنقاذه.
ولم يقتصر الهجوم عليه، إذ أُصيبت والدته المسنة بكسور في اليد والأضلاع، كما أُصيبت ابنته نغم (16 عامًا) بجروح في يدها، في مشهد يعكس حجم العنف الممارس ضد العائلات الفلسطينية بأكملها.
من جهته، أكد منسق تجمع شباب ضد الاستيطان، عيسى عمرو، أن الاحتلال يستخدم المستوطنين كأداة مباشرة لإرهاب الفلسطينيين في المناطق المصنفة (ج)، وعلى رأسها مسافر يطا.
وأوضح خلال حديثه "وكالة سند للأنباء"، أن الاعتداء على خربة الفخيت يأتي ضمن اعتداءات منظمة ومخطط لها مسبقًا، تُنفذ بتنسيق واضح مع قوات جيش الاحتلال التي توفر الحماية للمستوطنين أثناء تنفيذ الهجمات.
وأشار عمرو إلى أن الهدف الأساسي من تصاعد هذه الاعتداءات هو ترحيل الفلسطينيين قسرًا عن أراضيهم، وفرض السيطرة الكاملة عليها، تمهيدًا لتوسيع الاستيطان وضم المنطقة، في محاولة لمحو الوجود الفلسطيني بشكل كامل.
وتشهد منطقة مسافر يطا تصعيدًا خطيرًا في اعتداءات المستوطنين منذ مطلع عام 2026، حيث وثّقت مصادر رسمية وإعلامية سلسلة هجمات طالت المواطنين وممتلكاتهم.
ففي 3 شباط/فبراير 2026، اعتدى مستوطنون على طفل فلسطيني بالضرب، كما أُصيب فلسطينيان لاحقًا جراء اعتداءات مماثلة في خربة الفخيت.
وتزامنت هذه الاعتداءات مع إطلاق مواشي المستوطنين قرب منازل الأهالي، واعتقال مسن فلسطيني أثناء توفير قوات الاحتلال الحماية للمستوطنين.
وأتلف المستوطنون أكثر من 8 دونمات من الأراضي الزراعية المزروعة بالقمح والشعير في أواخر كانون الثاني/يناير 2026، بعد رشها بمواد كيميائية، ما ألحق أضرارًا جسيمة بمصادر رزق العائلات الفلسطينية.
في مسافر يطا، لا تُقاس المأساة بعدد الجرحى فقط، بل بوطأة الخوف اليومي، وبثمن البقاء على الأرض. ويغدو جسد محمد أبو صبحة، المثقل بالجراح، وثيقة إنسانية دامغة تفضح عنفًا لا يتوقف، ومعاناةً تتعمق يومًا بعد يوم في ظل اعتداءات المستوطنين المتواصلة على الضفة الغربية.
