يقف الفلسطيني رمزي سالم أمام ركام منزله كما لو أنه يقف أمام مرآة روحه، لا يبحث عن حجر، ولا عن جدار، بل عن أصواتٍ يعرفها جيدًا… أصواتٌ صمتت منذ أكثر من عامين، وبقيت معلّقة تحت الأنقاض.
في صباح هذا السبت، عاد رمزي إلى المكان ذاته الذي تغيّر فيه كل شيء هنا، في حي الشيخ رضوان شمال غرب مدينة غزة، استأنفت طواقم الدفاع المدني أعمالها لاستخراج جثامين الشهداء من تحت أنقاض المنازل التي دمّرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023، بالنسبة لرمزي، لم يكن هذا "استئنافًا للعمل"، بل استئنافًا للفقد.
في 11 ديسمبر 2023، قُصف منزله، لم يكن بيتًا عاديًا، بل ملجأً أكثر من 120 نازحًا كانوا بداخله: عائلات، أطفال، نساء، شيوخ، هاربون من الموت إلى مكان ظنّوه أكثر أمانًا، ولكن في لحظة واحدة، تحوّل البيت إلى قبر جماعي.

"قصفوا البيت على من فيه"، يقول رمزي لـ"وكالة سند للأنباء"، دون أن يرفع صوته، لا يحتاج إلى ذلك، فالركام يتكفل بالبقية.
منذ ذلك اليوم، لم يغادر رمزي المكان، عامان وشهران ونصف وهو يناشد، يطرق كل باب، يرفع كل صوت، مطالبًا بإدخال معدات قادرة على انتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض، "حالنا كحال كل البيوت التي قُصفت في غزة"، يقول، "لا توجد معدات كافية… لا شيء سوى الأيدي".
اليوم فقط، استجاب الدفاع المدني، وبدأت الطواقم العمل، أغلبه يدوي، في ظل وجود حفّار واحد لا يكفي لانتشال هذا العدد الهائل من الجثامين، حيث انتشلوا 56 شهيدًا.

هنا، لا تُقاس الكارثة بعدد الشهداء فقط، بل بعدد الساعات التي يقضيها الأب وهو ينتظر جثمان ابنه، أو الأم وهي تنتظر أن تعرف أين انتهى آخر عناق.
في المربع ذاته، شرعت الفرق بانتشال شهداء عائلة عوض، المشهد واحد، والوجع واحد، والانتظار أطول من قدرة البشر على الاحتمال.
يقول رمزي إن استخراج الجثامين أعاد جرح الفقد لينبض من جديد، "كل جثمان يخرج، كأن القصف يحدث مرة أخرى"، يتوقف لحظة ثم يضيف: "مع ذلك، الأهم أن نُكرمهم… أن ندفنهم".

هذه ليست قصة بيت واحد، ففي أحياء الشيخ رضوان والرمال والزيتون، نفّذت فرق الدفاع المدني عمليات مضنية لانتشال عشرات الجثامين من تحت الركام.
وفي 25 يناير الماضي، انتُشلت 50 جثة من ساحات مسجد صلاح الدين جنوب مدينة غزة، تمهيدًا لنقلها إلى مقابر رسمية.
وتقدّر مصادر دولية وفرق الدفاع المدني أن ما بين 9,000 و10,000 جثمان ما تزال مدفونة تحت الأنقاض.

ووفق تقرير رسمي للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2025، فإن نحو 11,000 شخص ما زالوا في عداد المفقودين في غزة، يُعتقد أن عددًا كبيرًا منهم شهداء لم يُنتشلوا بعد.
وبين 25 مارس و3 أبريل، جرى استرداد نحو 900 جثمان إضافي، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية في تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA).
كل ذلك يحدث في قطاع دمّر فيه الاحتلال نحو 90% من البنى التحتية المدنية، وخلّف أكثر من 70 مليون طن من الركام. رقمٌ يكفي لدفن مدينة كاملة… وهذا ما حدث بالفعل.

رغم المخاطر، ورغم نقص المعدات، تواصل طواقم الدفاع المدني عملها، لا يبحثون عن ناجين، بل عن كرامة، لا يواجهون الموت، بل تأخّره.
ومع كل جثمان يُستخرج، تُطرح الأسئلة ذاتها: كم جسدًا ما زال هناك؟ وكم من الوقت يحتاج العالم ليقرّ بأن هذا ليس دمارًا عارضًا، بل إبادة مكتملة الأركان؟


