أبرزت صحيفة الغارديان البريطانية أنه بينما كانت الحكومات الغربية منشغلة بحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، كانت الوقائع على الأرض في الضفة الغربية المحتلة تتغير بوتيرة متسارعة. سلسلة من الإجراءات الإدارية والتنفيذية الجديدة، التي تبدو للوهلة الأولى تقنية ومجزأة—من “حماية المواقع الأثرية” إلى “منع سرقة المياه” و“تبسيط إجراءات شراء الأراضي”—تكشّف اليوم عن هدف سياسي واضح: القضاء النهائي على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية.
ونبهت الصحيفة إلى أن هذا الهدف الإسرائيلي لم يعد موضع تأويل، حيث صرّح وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس صراحةً: «سنواصل قتل فكرة قيام دولة فلسطينية»، وذلك في بيان مشترك مع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، أحد أبرز رموز اليمين الاستيطاني المتطرف.
تطهير عرقي تحت غطاء إداري
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهد أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية، نحو خُمسهم من الأطفال، وفق تقديرات حقوقية.
لكن القتل ليس الأداة الوحيدة. فحملات المضايقة المنظمة، وتدمير البنية التحتية، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، أدت إلى تهجير أعداد أكبر بكثير، ومحو مجتمعات فلسطينية كاملة من مساحات شاسعة.
ولا يقتصر الأمر على تواطؤ الدولة الإسرائيلية، بل يتجاوزه إلى شراكة مباشرة. فقد أفادت الغارديان الشهر الماضي بأن وحدات عسكرية مخصّصة للمستوطنين تعمل فعليًا كـ«ميليشيات مسلحة».
كما كشفت صحيفة هآرتس أن الجيش أصدر أوامر لجنوده بمنع الفلسطينيين من حراثة أراضيهم استجابةً لطلبات المستوطنين—إجراء لا يهدد سبل العيش فحسب، بل يفتح الطريق أمام مصادرة الأراضي لاحقًا.
تسريع الضم قبل الانتخابات
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية خلال أشهر، يتحرك شركاء بنيامين نتنياهو من اليمين المتطرف بسرعة لفرض وقائع لا رجعة عنها.
فبعد تغيير الواقع الميداني تدريجيًا، جاءت قرارات المجلس الوزاري الأمني الأخيرة لتُحدث نقلة نوعية وصفها باحثون بأنها «مغيّرة جذريًا»: تسهيل الاستيلاء على الأراضي، رفع القيود المحدودة أصلًا على شرائها، وتقويض السلطة الفلسطينية الاسمية في المنطقتين (أ) و(ب).
ولا تعد هذه الخطوات مجرد إدارة احتلال، بل إعادة هندسة قانونية وبيروقراطية تهدف إلى الضم الزاحف، مع تقليص أي أثر متبقٍ لاتفاقات أوسلو.
صمت دولي وازدواجية غربية
جدّد البيت الأبيض التأكيد على معارضته ضم الأراضي الفلسطينية، إلا أن محادثات دونالد ترامب مع نتنياهو في واشنطن ركّزت على إيران. وإذا ما حضر الفلسطينيون في الحسابات الأمريكية، فإنهم يُختزلون في غزة وحدها، وكأن الضفة الغربية ملف منفصل—وهو فصل تحذّر دول عربية وإسلامية من خطورته، معتبرةً أن الإجراءات الجديدة «تؤجج العنف، وتعمّق الصراع، وتعرّض الاستقرار الإقليمي للخطر».
وقد خفف إعلان وقف إطلاق النار في غزة—الذي لم يوقف القتل هناك—الضغط السياسي عن حكومات غربية للتحرك. المملكة المتحدة «تدين بشدة»، والاتحاد الأوروبي يكرر أن «العقوبات لا تزال مطروحة»، من دون أي استعجال فيما داخل دولة الاحتلال لا تُسمع سوى أصوات معارضة محدودة.
وفي الوقت الذي يستمر فيه الجوع واليأس في غزة، تروّج إدارة ترامب تصورات «متفائلة» عن أفق سياسي. على الأرض، هدمت سلطات الاحتلال مقر وكالة الأونروا في القدس الشرقية، وطردت منظمات غير حكومية، بينها أطباء بلا حدود، من مناطق مختلفة في فلسطين المحتلة—في خطوة تُقوّض البنية الإنسانية الداعمة لملايين الفلسطينيين.
القانون الدولي… بلا أنياب
في عام 2024، قضت محكمة العدل الدولية بوجوب إنهاء تل أبيب احتلالها غير الشرعي في أقرب وقت. وتحت ضغط الغضب الشعبي من حرب غزة، أعلنت حكومات عدة، بينها المملكة المتحدة، اعترافها بدولة فلسطينية.
لكن هذه الإعلانات الرمزية تبدو اليوم أكثر فراغًا من أي وقت مضى، إذ لا تُترجم إلى إجراءات رادعة على الأرض.
وخلصت الغارديان إلى أن دولة الاحتلال لا تنتظر. فبينما يتبادل المجتمع الدولي بيانات القلق، تُنفَّذ على الأرض سياسات تطهير وضم ممنهج، تُغلق عمليًا نافذة حل الدولتين. وكل تأجيل لـ«العمل الحقيقي» لا يعني سوى منح الوقت لمزيد من الوقائع التي لا يمكن التراجع عنها.
لقراءة نص التقرير كاملا في صحيفة الغارديان أضغط هنا
