من عتمة السجون وظلمة الزنازين الموحشة، تخرج حكايا الموت البطيئ، تُروى بلسان من عاشوا الموت بتفاصيله المرعبة داخل أقبية التحقيق.
تفاصيل لم تُرَ ولم تروَ من قبل، تضعها "وكالة سند للأنباء" بين أيديكم، في سلسلة من الشهادات الموثقة بصيغة ضمير المتكلم، لتروي لحظة بلحظة سردية العذاب والقهر داخل سجون الاحتلال.
هذه المرة، ستكون الحكاية على لسان الأسير المحرر الصحفي أحمد شقورة من قطاع غزة، الذي عانى الويلات، ووثّق بعينيه وروحه تفاصيل اغتيال الطبيب عدنان البرش وأسرى آخرين لفظوا أنفاسهم الأخيرة أمام ناظريه.
حكاية "المهندس الصحفي"..
لم يدر في خلدي يومًا؛ أن تقودني أدراجي العلمية كمهندس لأكون صحفيا؛ وأن أكون مجبرًا لأمارس تلك المهنة في ظروف أوثق فيها جرائم إعدام للمرة الأولى ترتكب أمام ناظري؛ وأنا مقيّد اليدين محمّل بعذاب لا تطيقه الجبال.
لم تكن تلك حكاية عابرة تُروى على الهامش، بل فصلًا مظلمًا من فصول الاعتقال، يُكتب بالخوف لا بالحبر.
منذ لحظة اعتقالي بدأت رحلة الكسر؛ أسابيع طويلة من الضرب والإهانات، حرمانٍ من النوم، وتجويعٍ متعمّد. وحين رأى المحققون في طبيعة عملي "فرصة"، قرروا "استغلالي"؛ ولم يطلبوا مني خدمة صغيرة؛ بل أن أخون!.
كان يمكن للاعتقال أن يُنهي حكايتي، وأن أتحوّل إلى رقم جديد في سجل الأسرى، لكنني اخترت طريقًا آخر. داخل الزنازين، وتحت التعذيب، لم أتخلَّ عن عين الصحفي ولا عن ضمير الشاهد.
وثّقت الجريمة مرتين وأنا أسير؛ مرة حين كُسرت إنسانيتي على طاولات التحقيق، ومرة حين رأيت الموت يُصنع أمام عيني.
قادتني أقداري من الهندسة إلى الصحافة، ثم من الصحافة إلى السجن، لكنني حملت مهنتي معي خلف القضبان، فبقيت شاهدًا حيًا على ما جرى، وعلى جريمة إعدام الدكتور عدنان البرش وأشخاص آخرين، وعلى منظومة تعذيب لا تكتفي بسلب الحرية، بل تُصرّ على قتل الحقيقة قبل الإنسان، لتخرج شهادتي اليوم بوصفها وثيقة اتهام لا تموت.
الحكاية خلف الخبر..
أنا أحمد شقورة صحفي وأسير محرر، أعمل في الحقل الصحفي منذ العام 2005 وكانت خطواتي الأولى بعيدة عن الصحافة فقد درست الهندسة وعملت مهندسا في بداياتي ثم قادتني التفاصيل الصغيرة في حياة الناس إلى المهنة التي تشبه القلب أكثر مما تشبه الورق صرت أبحث عن الحكاية خلف الخبر وعن الإنسان خلف الرقم وعن الحقيقة خلف الضجيج.
كنت أظن أن أقسى ما قد أراه هو مشهد حرب أو ركام بيت أو بكاء أمّ، لكنني اكتشفت لاحقا أن هناك مكانا تُسحب فيه الإنسانية من الإنسان ببطء وتُدفن فيه الأرواح وهي تمشي على أقدامها.
في يوم الجمعة 8 ديسمبر/كانون الأول 2023، عند تمام الساعة الحادية عشرة صباحًا، اعتُقلت من محيط دوّار مسجد فلسطين، بعد أن حاصرت الدبابات المنطقة ثلاثة أيام متواصلة، كان المكان مثقلًا بالحديد والصوت والوجوه المذعورة.
وكانت لحظة الاعتقال جزءًا من مشهد عسكري قاسٍ لا يشبه الحياة في شيء، نُقلنا من مكان لآخر تحت وطأة التعذيب وتكسير أضلعنا، حتى وصلنا إلى "سديه تيمان".
هناك في التحقيق لدى الاستخبارات العسكرية في الموقع الذي يسمونه "الديسكو"، عرفتُ وجهًا آخر للعالم، كان التعذيب يسبق السؤال، وكان الإذلال يسبق الإجابة.
كان الجوع والحرمان من النوم جزءًا من هندسة الألم التي يريدونها كاملة، كما لو أنهم يصنعون إنسانًا جديدًا من رماد إنسان قديم.
ثم تنقلت إلى مركز تحقيق الجلمة كيشون قرب حيفا، ومكثت هناك 140 يومًا، كانت أيامًا طويلة تُقاس بمدى قدرة الجسد على الاحتمال، وبمدى قدرة الروح على ألّا تنهار.
تفاصيل مفزعة..
في الجلمة رأيت كيف يُصنع الخوف بالجرعات، وكيف يتحول التحقيق إلى مصنع لقتل المعنى، وكيف يُستخدم الابتزاز كسلاح أخطر من العصا والسوط.
رأيت شابًا تعرّض على مدار أسابيع للضرب والإهانات والحرمان من النوم والتجويع، ثم قرروا أن يستغلوه، طلبوا منه أن يخون، وحين رفض بدأ الجحيم الحقيقي.
دُفن الشاب حيًا ليومين كاملين في قبر ضيق، لا يملك سوى أنبوب أكسجين يتنفس منه الخوف قبل الهواء.
بعدها، قيّدوه في غرفة، وجلس الجنود أمامه يأكلون، بينما معدته تصرخ وروحه تتآكل، وعادوا يكررون العرض "اشتغل معنا"، وحين قال لا، قال له المحقق ببرود قاتل: سنقصف زوجتك وأطفالك، وأدار شاشة أمامه وقال: انظر زوجتك هنا وأطفالك هناك، ثم همس معك خمس دقائق لتقرر.
رفض الشاب مرة أخرى، فأُعطي الأمر وقيل له الدور الآن على زوجتك، انهار الشاب، صرخ وارتجف، لكنهم لم يرحموه، أخبروه أنهم قُتلوا، أُلقي به في زنزانة انفرادية وحيدًا مع الظلام والألم، ومع صور أطفاله وهم يُدفنون في خياله أحياء.
وبعد أسبوع أعادوه، سأله المحقق هل تريد أن تأكل، فأجاب بصوت مكسور "لا نفس لي"، فقال له: أنت الخاسر، ثم أعاد التهديد ذاته، وأدار الشاشة من جديد هنا بيتهم هل نضغط الزر.
في تلك اللحظة، لم يعد هذا الشاب إنسانًا، صار كتلة من الهلع، دخل في نوبة هستيرية يصرخ أوافق أوافق، ليس لأن الخيانة خيار، بل لأنهم أثبتوا له أنهم لا يمزحون.
ثم فجأة تغيّر كل شيء، غرفة مليئة بالطعام، حمام ساخن، كلمات ناعمة بعد السوط، وقالوا له ارتح غدًا يبدأ التدريب، وعلّموه كيف يراقب، وكيف يبلّغ، وكيف يخون دون أن يُكشف، وحفظوه رقم المحقق، وزرعوا الخوف في كل خلية من جسده.
خرج الشاب من التحقيق إنسانًا آخر، يمشي بلا روح، ينام وهو يرتجف، ويستيقظ على كوابيس لا تنتهي، وحين بحث عن نجاة، أخبر أحد الإخوة بما جرى، فقال له لا تقلق، حين تخرج سنحاول حلّ قصتك بإذن الله.
مجرمون بمعطف أبيض..
قد يتساءل أحدهم: لماذا يخشى الأسرى الذهاب إلى الأطباء داخل السجون؟، ببساطة: لأن العيادة ليست مكان للشفاء، بل محطة إذلال إضافية، منذ اللحظة الأولى في أقبية الجلمة كان التعذيب في ممرات بلا كاميرات ولا شهود، وكانت القيود البلاستيكية تُشد حتى يتمزق الجلد، وتتورم الكفّان، وتتهددان بالبتر.
حين تُقتاد إلى العيادة لا تجد طبيبًا، بل جلادًا بمعطف أبيض يضغط على الجرح وكأن الألم لا يكفيه، ويشتمك، ثم يلف الجرح على عجل ويقول اذهب.
وفي سجن عوفر تكرر المشهد، انكسرت إحدى أسناني، وفي أول دخول لغرفة الطبيب صعد الحارس على ظهري بطلب من الطبيب، كأنهم يريدون كسر العمود الفقري قبل كسر الروح، وحاول الطبيب أن يضربني في عيني بمسطرة حديدية، لكن ستر الله كان أعظم، فأصاب جبيني بدلًا منها.
توالت القسوة، أسرى يُسحلون ويُضربون ثم يُقال لهم ساخرين هيك عالجناك، وأجساد تتآكل بالدمامل، وأيدٍ تتضخم حتى تبدو كيد مومياء، والنداء يضيع في الممرات، لا طبيب، ولا استجابة، والعلاج حبات مسكن وكثير من الصمت.
أحياء داخل القبور..
حتى الملابس والنظافة صارت أداة إبادة، سُحبت أدوات النظافة، وسُحبت الملابس والأجهزة، وكل ما يمت للحياة بصلة.
زنازين مغلقة ببابين بلا نوافذ، هواء خانق، ورطوبة عالية، بيئة مثالية للأمراض، أظافر تُقص بالأسنان، وملابس لا تُغيّر، وشامبو يُقسّم بين الاستحمام وتنظيف الغرفة والأواني.
دقائق معدودة للاستحمام بلا شمس ولا تهوية، فتتفشى الأمراض الجلدية عمدًا، ثم يعرضون غسالة ونشافة كديكور أمام الوفود، لا لتغسل حقًا.
هكذا أعدموا الطبيب "البرش"..
بعد الجلمة نُقلت إلى سجن عوفر، قسم 23، الذي يسمونه "جحيم النخبة"، وهناك رأيت النهاية حين تُصنع على بوابة القسم.
رأيت استشهاد الدكتور عدنان البرش أمام عيني يوم الجمعة 20 إبريل/ نيسان2024، قرابة الساعة الثالثة عصرًا، كان قد نُقل من الجلمة إلى عوفر بعد أن نُقلت أنا قبله بيوم.
ما يسمونه "التشريفة" كان تعذيبًا هائلًا على امتداد ممر طوله نحو 700 متر، مصطفّ على جانبيه سجانين ذوو بنية عضلية قوية، غربيّو الملامح، أُجبر الدكتور على مشية تشبه الشبحة، يداه مقيّدتان إلى الخلف مع قدميه.
كان الطبيب يمشي على أطراف أصابعه، مرفوع الجسد بطريقة مذلة، ورأسه بين قدميه كأنه راكع قسرًا، ثم وُضع في غرفة انتظار "الأمتناه"، وسأل السجانون مين الدكتور، فقال أنا، فأدخلوا الكلب إلى الغرفة وجرحوا الشباب، وضُرب الجميع، لكن الضرب الذي تلقاه الدكتور كان مضاعفًا، خاصة داخل غرفة الطبيب.
وعند وصوله إلى الممر المؤدي إلى بوابة القسم "23" الداخلية، سقط الدكتور أرضًا، دفعه أحد السجانين بقدمه من الخلف، فاصطدم رأسه بحديد الباب ثم بالأرض، وبمشقة بالغة سحبه الشباب إلى الغرفة.
نُقل الطبيب إلى غرفة 16، وأُغمي عليه بالكامل، حاول الأسرى إسعافه، رفعوا قدميه للأعلى، لكنه كان مغيبًا عن الوعي والنبض بطيئ، حاولوا إجراء تنفس اصطناعي له.
وعندما شعر الحارس أن الأمر جدّي نادى على "الخوفيش"، ثم اتصلوا على الأطباء فجاؤوا مسرعين وبرفقتهم جهاز فحص القلب.
عد فترة قصيرة سمعنا صفارة توقف القلب، ثم جاء مدير السجن وكبار المسؤولين، نقلوه على الشيالة، وكانت ملامحه شاحبة، بشرته مائلة إلى الاصفرار، وبطنه مشفوط للأسفل، وجاءت طائرة إسعاف إلى المكان، لكنه كان وقتها قد فارق الحياة فعليًا، وقالوا داخل السجن إنها سكتة قلبية، بينما نحن كنا نرى الحقيقة عارية أمام أعيننا.
إعدام آخر..
في الجلمة أيضًا، استشهد الشاب محمد سامي الحلو تحت التعذيب، في تاريخ في اليوم الأول أو الثاني من عام 2024، أثناء وجوده في تحقيق عسكري، تعرّض خلاله لتعذيب أفقده القدرة حتى على شرب الماء أو بلعه.
كان جسده من أسفل شحمة الأذن حتى أطراف قدميه أزرق من شدة الضرب، وكنت أسمع أصوات توقف القلب لأنني كنت في غرفة مجاورة، وشهد الواقعة شاب كان معه ثم خرج، لكنه لا يريد الحديث مطلقًا بأي شيء.
خرجت من السجن وأنا أحمل على جسدي آثار القيود، وعلى روحي آثار ما لا يُرى، خرجت وأنا ألتفت خلفي كمن يترك جزءًا من قلبه خلف باب حديدي.
كنت أنتظر أن يخرج إخوة آخرون معي، وكنت أظن أن الجميع سيفرج عنهم، لكن قدر الله كان أثقل من توقعاتنا.
أعجز عن ذكر أسماء كثيرة لأن أغلبهم ما زالوا هناك، يأكلون الصمت ويشربون الألم، ويقيسون النهار بعدد الخطوات إلى العيادة التي لا تشفي، وبعدد الدقائق التي يُسمح لهم فيها أن يتنفسوا.
لم أكتب هذه الشهادة لأستدر شفقة، ولا لأصنع بطولة، بل لأضع الحقيقة كما هي، موجعة كما عشتها، ولأقول إن السجون ليست جدرانًا فقط، بل منظومة تُجرّب كيف تكسر الإنسان، وكيف تنتهك إنسانيته وكرامته، بعيدًا عن الأنظار.
ملاحظة: الفيديو المدرج مولد عبر الذكاء الاصطناعي
