في زمن تُقاس فيه الحياة بالدقائق، يقف آلاف المرضى وأسرهم على بوابةٍ لا تُفتح إلا ببطءٍ موجع، بينما تتكاثف في خلفية المشهد حرب إبادة تركت أجساداً منهكة وبيوتاً مدمرة وقلوباً معلّقة على أمل العبور.
هناك، عند معبر رفح البري، لا تبدو الأرقام مجرد إحصاءات، بل حكايات بشرية عالقة بين الألم والانتظار، بين حقٍ في العلاج وواقعٍ يضيّق الخناق على الحياة نفسها.
شهد المعبر حركة سفر محدودة منذ إعادة تشغيله مطلع فبراير الجاري، وسط انتقادات فلسطينية للقيود المفروضة على آلية العبور، في وقت تتزايد فيه أعداد المرضى والمواطنين المسجلين للسفر أو العودة.
وأظهرت بيانات حركة المسافرين أن إجمالي المغادرين والعائدين حتى 16 فبراير بلغ 925 مسافراً فقط من أصل ثلاثة آلاف يُفترض سفرهم ذهاباً وإياباً.
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي أن إجمالي المغادرين والعائدين يقدرون بنسبة التزام 31%، ما يعكس فجوة كبيرة بين الأعداد المقررة والتنفيذ الفعلي على الأرض، ويضاعف من معاناة آلاف المنتظرين على القوائم.
من جانبها، حذرت وزارة الصحة الفلسطينية من أن محدودية عمل المعبر تهدد حياة آلاف المرضى المدرجين على قوائم الإجلاء الطبي.
وأكدت أن استمرار القيود سيؤدي إلى تفاقم الوضع الصحي والإنساني في قطاع غزة، في ظل انهيار واسع في المنظومة الصحية بفعل الحرب.
بدورها، اتهمت حركة حماس الاحتلال بعرقلة تنفيذ التفاهمات الخاصة بتشغيل المعبر، معتبرة أن الإجراءات المتبعة تمثل خرقاً واضحاً للآليات المتفق عليها.
وأوضحت حماس، أن الاحتلال يمارس تشديداً في التفتيش والتحقيق مع المسافرين، ما يضيف أعباء نفسية إلى معاناة جسدية قائمة.
وفي المقابل، أفادت تقارير إعلامية أن الجانب المصري يواصل تسهيل إجراءات الاستقبال وتقديم مساعدات إنسانية وطبية للقادمين، في ظل تنسيق مستمر لتسيير دفعات محدودة وفق الكشوفات المعتمدة، غير أن محدودية الأعداد تبقي الفجوة الإنسانية قائمة.
وأشار موقع "Middle East Monitor" إلى أن نسبة الالتزام بتشغيل المعبر لا تزال منخفضة مقارنة بما أُعلن عند إعادة فتحه، ما يثير تساؤلات حول فعالية الآلية الحالية في تلبية الاحتياجات العاجلة.
ونقلت صحيفة Le Monde"" شهادات لعائدين وصفوا رحلة العودة بأنها مرهقة نفسياً، متحدثين عن إجراءات تفتيش مطولة وصعوبات إنسانية واجهوها فور وصولهم إلى القطاع، خاصة في ظل الدمار الذي طال منازلهم وممتلكاتهم، ليجد كثيرون أنفسهم عائدين إلى ركام لا إلى بيت.
وأكد عدد من المسافرين المرضى ومرافقيهم أن فترات الانتظار الطويلة وعدم وضوح الجداول الزمنية للعبور يضاعفان معاناتهم، مطالبين بتوسيع أعداد المغادرين يومياً وضمان آلية أكثر انتظاماً وشفافية، تحفظ كرامتهم وحقهم في العلاج والحياة.
ويعد معبر رفح الممر الوحيد لأكثر من مليوني نسمة في قطاع غزة نحو العالم الخارجي، من طلاب، ومرضى، وتجار، وهو المدخل الرئيسي لقوافل المساعدات الطبية والغذائية والوقود، كما يُعتبر رمزاً للاتصال الجغرافي الفلسطيني مع العمق العربي.
ومنذ مطلع العام 2024، يخضع المعبر لسيطرة إسرائيلية كاملة، فيما تعرضت مرافقه للقصف والتدمير خلال العدوان العسكري.
وفي ظل استمرار الحرب، تبقى حركة السفر عبر معبر رفح رهينة الترتيبات السياسية والأمنية القائمة، بينما تتصاعد المطالبات الحقوقية والإنسانية بفتح أوسع ومنتظم يراعي الاحتياجات الطبية والإنسانية الملحّة لسكان قطاع غزة، حيث يتحول الانتظار ذاته إلى معاناة إضافية في زمن لا يحتمل مزيداً من الألم.
