لم تترك جرافات الاحتلال الإسرائيلي، خلال الأسابيع الماضية، سوى الركام خلفها في تجمعي الديرات والرفاعية شرقي بلدة يطا جنوب مدينة الخليل، بعد تصعيد عمليات هدم المنازل، ما أدى إلى تشريد نحو 100 فلسطيني وتركهم بلا مأوى، وسط تصاعد الإخطارات بالهدم وشكاوى من غياب الدعم الكافي للعائلات المتضررة.
ولا تعني عمليات الهدم التي تطال منازل تسكنها عائلات فلسطينية إسقاط الجدران والإسمنت فحسب، بل باتت هدمًا لأحلام وذكريات ومستقبل عائلات بأكملها.
ويؤكد أصحاب هذه المنازل أن بناءها استغرق سنوات طويلة من التعب والجهد، وأن مشروع العمر وأمل الحياة يُسوّى بالأرض في دقائق معدودة، ليجد أصحابها أنفسهم بلا مأوى، بعدما فقدوا المكان الذي احتضن تفاصيل حياتهم وذكرياتهم.
تعب العمر تبدد بلحظات..
قبل أسبوعين، ومع ساعات الصباح الأولى، كانت جرافات الاحتلال الإسرائيلي تهدم منزل المواطن عيسى مسعف في قرية الديرات، تاركةً 11 فردًا، بينهم أطفال، بلا مأوى.
يقول مسعف لـ "وكالة سند للأنباء"، إن المنزل شُيّد عام 2016، وفي العام التالي تلقت العائلة إخطارًا بالهدم، لتبدأ رحلة طويلة من الإجراءات القانونية أمام المحاكم الإسرائيلية، التي جُمّد بموجبها تنفيذ قرار الهدم لسنوات.
وأوضح أن العائلة واصلت ملاحقة ملفها القانوني، ودفعت مبالغ مالية لإعداد مخططات هندسية وخرائط، إضافة إلى 3700 شيقل رسومًا للمحكمة العليا، إلا أن قوات الاحتلال هدمت المنزل قبل موعد الجلسة المقررة، ما بدّد كل الآمال التي عُلّقت على الإجراءات القانونية.
ويتكون المنزل البالغة مساحته 245 مترًا مربعًا، من شقتين تقطنهما عائلتا نجليه أسامة منذ عام 2017، وسامي منذ عام 2021، ويضم 11 فردًا، فيما بلغت تكلفة بنائه نحو 700 ألف شيقل، بحسب مسعف.
ويروي صاحب المنزل، أن سنوات طويلة من الكدّ والعمل قضاها مع أبنائه لبناء منزل يؤويهم، مرددًا: "بناء بيت هو طموح لكل شاب فلسطيني، وليس رفاهية، في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، لكنه هُدم في ساعات قليلة وترك أفراد العائلة في الشارع بلا مأوى".
بلا مأوى..
ويشير إلى أن أفراد العائلتين يعيشون اليوم أوضاعًا إنسانية صعبة، إذ تضطر كل عائلة للإقامة في غرفة داخل منزل أحد الأقارب، بعدما كانت كل واحدة منهما تقيم في شقة مستقلة، في ظل غياب أي مأوى دائم.
ويبيّن مسعف أن العائلة لم تتلقَّ أي مساعدات تُذكر، باستثناء مبادرة من إحدى المنظمات الدولية التي وفرت ألعابًا للأطفال و11 فرشة للنوم.
ورغم ذلك، يقول مسعف: "لن نغادر أرضنا، وحتى لو اضطررنا للعيش في خيمة سنبقى فيها ولن نرحل".
خيمة فوق الأنقاض..
وفي قصة أخرى لا تختلف كثيرًا، يروي المواطن محمد تيسير العدرة من قرية الديرات معاناته، إذ لم يهنأ بالعيش في منزله الذي بناه بجهد سنوات، حتى هدمته قوات الاحتلال الإسرائيلي قبل أسبوعين، بحجة البناء في المناطق المصنفة (ج)، لتتحول حياة أسرته إلى معاناة يومية داخل خيمة نُصبت فوق أنقاض المنزل.
ويقول العدرة لـ "وكالة سند للأنباء" إن منزله، الذي تبلغ مساحته 170 مترًا مربعًا، بلغت تكلفة بنائه نحو 300 ألف شيقل، وكان يؤوي 6 أفراد من العائلة، بينهم 3 أطفال، ولم يمضِ على السكن فيه سوى عامين.
ويضيف أن العائلة خاضت معركة قانونية استمرت 3 سنوات أمام المحاكم الإسرائيلية، وأنفقت ما يقارب 30 ألف شيقل على أتعاب المحامين، في محاولة لوقف قرار الهدم، إلا أن جميع تلك الجهود لم تمنع تنفيذ القرار.
ويؤكد العدرة أن الأسرة تعيش اليوم داخل خيمة أُقيمت فوق ركام المنزل، وقد هدمها الاحتلال قبل أيام، ما اضطر العائلة إلى نصب خيمة أخرى، في ظل ظروف إنسانية صعبة، مشيرًا إلى أنهم لم يتلقوا أي مساعدات أو دعم منذ تنفيذ عملية الهدم.
ويعتبر العدرة أن هدم المنازل يهدف إلى اقتلاعهم من أرضهم وحرمانهم من حقهم في السكن والاستقرار، إلا أن العائلة تؤكد تمسكها بالبقاء في أرضها، رافضة مغادرتها مهما اشتدت الضغوط.
محاولات قانونية باءت بالفشل..
وخلال أقل من عام، هدم الاحتلال منزلين لعائلة العمور في منطقة الرفاعية، كان آخرهما منزلًا مكونًا من طابقين، تقطنه عائلتا الشقيقين إياد وجهاد العمور، إضافة إلى نجل جهاد ووالدتهما.
ويوضح جهاد العمور لـ "وكالة سند للأنباء" أن الاحتلال هدم منزله قبل عام، ما اضطره للإقامة مع شقيقه في الطابق الثاني، قبل أن يعاود، قبل أسبوعين، هدم المنزل بالكامل، تاركًا مصير 14 فردًا، معظمهم من الأطفال، مجهولًا.
ويشير إلى أن العائلة دفعت مبالغ مالية باهظة في محاولة لمنع الهدم، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل، وأصر الاحتلال على تنفيذ القرار، ما أدى إلى تشتت أفراد العائلة، الذين لا يستطيعون، في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، إعادة بناء المنزل.
ورغم هذه المعاناة، يشتكي العمور من تقصير الجهات الرسمية في مساندة العائلة ودعم صمودها، وعدم تقديم أي مساعدات تساعدها على البقاء في أرضها.
تصعيد استيطاني غير مسبوق..
من جانبه، يقول رئيس بلدية خلة المي، مجدي العدرة، إن قريتي الديرات والرفاعية، الواقعتين على بعد نحو 7 كيلومترات من مدينة يطا، ويقطنهما قرابة 2300 نسمة، وتقعان ضمن المناطق المصنفة (ج)، تتعرضان منذ ثلاثة أشهر لتصعيد استيطاني غير مسبوق، يتمثل في عمليات هدم واسعة وإقامة بؤرة استيطانية رعوية على أراضيهما، إلى جانب اعتداءات يومية على السكان.
ويوضح العدرة، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن سلطات الإدارة المدنية أصدرت نحو 100 إخطار بالهدم، وتتابع البلدية هذه الملفات عبر المسار القانوني، إلا أن عمليات الهدم ما تزال مستمرة، حيث هُدم أكثر من 10 منازل ومساكن خلال الأربعين يومًا الماضية، مع صدور إخطارات جديدة بشكل شبه يومي.
ويلفت، إلى أن معظم المنازل المهدمة كانت كبيرة ومكونة من طابقين أو ثلاثة، ويقطنها نحو 100 مواطن، ما أدى إلى تشريدهم وحرمانهم من المأوى.
وأشار إلى أن العائلات المتضررة اضطرت للإقامة في خيام بلاستيكية أو في طوابق سفلية غير صالحة للسكن، فيما لجأت عائلات أخرى إلى استئجار شقق سكنية أو الرحيل من المنطقة.
وفيما يتعلق بمدرسة الرفاعية، يؤكد العدرة أنه تم رفض طلب تجميد قرار هدمها، وتثبيت قرار الهدم، ومن المتوقع تنفيذه خلال أسبوعين.
ويرى العدرة، أن تصعيد عمليات الهدم يأتي في إطار تعزيز واقع البؤر الاستيطانية وفرض السيطرة على المنطقة، معتبرًا أن ما يجري ينسجم مع سياسات اليمين الإسرائيلي المتطرف، ويُستخدم أيضًا في سياق الدعاية الانتخابية.
ورغم محدودية إمكانيات البلدية، إلا أنها تحاول الوقوف إلى جانب العائلات المتضررة وتقديم ما تستطيع من خدمات، بحسب العدرة، موضحًا أنها تواصلت مع الجهات الحكومية والرسمية للمطالبة بتدخل عاجل وتأمين كرافانات لإيواء الأسر التي فقدت منازلها، إضافة إلى توفير تأمين صحي مجاني وبعض الخدمات الزراعية.
ويكمل: "تعمل البلدية على نقل الملف إلى وزارة الخارجية بهدف حشد رأي عام دولي وتسليط الضوء على ما تتعرض له المنطقة".
حملة شرسة..
من جانبه، يقول الناشط في مقاومة الاستيطان في مسافر يطا، أسامة مخامرة، إن قريتي الديرات والرفاعية شرق يطا تتعرضان لحملة هدم إسرائيلية وصفها بـ"الشرسة وغير المسبوقة".
ويضيف في حديث لـ "وكالة سند للأنباء"، أن محاكم الاحتلال رفضت 14 التماسًا تقدم بها المواطنون، في مؤشر على استمرار عمليات الهدم خلال الفترة المقبلة.
وإلى جانب عمليات الهدم، تواصل قوات الاحتلال تصوير منازل المواطنين بشكل يومي، في ظل مخاوف متزايدة من تنفيذ المزيد من عمليات الهدم، وفق مخامرة.
ولا يكتفي الاحتلال بهدم المنازل، بل يلاحق العائلات التي تنصب الخيام فوق ركام منازلها، وعن ذلك يقول مخامرة: "عائلة الجبرين، التي هُدم منزلها قبل نحو ثلاثة أسابيع، أقامت خيمة للسكن، إلا أن الاحتلال هدمها أيضًا".
ويطالب مخامرة المؤسسات الحقوقية والقانونية، والسلطة الفلسطينية، بالتدخل العاجل لوقف حملة الهدم المتواصلة، داعيًا إلى نقل معاناة الأهالي إلى العالم، والضغط على الاحتلال من أجل وقف هذه الإجراءات.
ووثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تصاعد عمليات الهدم والتضييق على البناء الفلسطيني، مشيرة إلى أن قوات الاحتلال نفذت 341 عملية هدم منذ مطلع عام 2026، أسفرت عن تدمير 740 منشأة وتشريد 923 مواطنًا، بينهم 546 طفلًا في الضفة الغربية.
