الساعة 00:00 م
الأربعاء 02 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.27 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.51 يورو
3.02 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

أعياد الاحتلال في أيلول.. الأقصى يرزح تحت خطر تفجير جديد!

أجساد تائهة وذاكرة مثقلة بالفقد.. غزة تحت وطأة الصدمات المركبة

حجم الخط
الصحة النفسية بغزة
غزة - وكالة سند للأنباء

داخل عيادة الصحة النفسية في مجمع ناصر الطبي جنوب قطاع غزة، تجلس امرأة في الخامسة والستين من عمرها في صمت مطبق يمتد منذ قرابة عام؛ أوصلتها شقيقتها إلى هنا محاولةً انتشالها من اكتئاب حاد جمد ملامحها.

بدأت قصتها حين قصف الاحتلال منزلها، فاستشهد جميع أبنائها بينما نجت هي بإصابة بالغة انتهت ببتر إحدى قدميها.

ومنذ اللحظة الأولى التي أفاقت فيها من التخدير لترى جسدها منقوصًا ثم تسأل عن أولادها، تغيّر كل شيء؛ توقفت عن الكلام، ولم تعد تتفاعل مع محيطها، حتى إنها في لحظات غيابها العميقة لا تدرك هوية شقيقتها الجالسة إلى جوارها.

لا تكسر هذا الصمت المطبق سوى نوبات صراخ وانفعال حادة لا تهدأ إلا بجرعات الدواء، تختصر شقيقتها هذا المشهد بمرارة بالغة قائلة لـ "وكالة سند للأنباء: "منذ أن عرفت باستشهاد أبنائها، فقدت أختي الحياة حرفيًا؛ بقي منها جسد فقط، لكنها لم تعد كما كانت".

تختصر هذه الحالة المأساوية عمق وجوهر مفهوم "الصدمة النفسية المركبة"؛ إذ لم يعد الأمر يرتبط بصدمة تقليدية ناتجة عن حدث أو فقد مفرد، بل بتراكم سلسلة من الكوارث المتزامنة على الشخص نفسه، تجتمع فيها خسارة العائلة بأكملها مع بتر الأطراف وتدمير المأوى وانعدام الأمان المطلق.

صدمات لا تنتهي والناجي الوحيد في مهب الجحيم

من داخل عيادات المتابعة الميدانية، يؤكد الطبيب المعالج في مجال الصحة النفسية، يوسف عوض الله، أن المختصين في القطاع يشهدون تزايدًا ملحوظًا في أعداد المترددين، وباتوا يتعاملون باستمرار مع حالات معقدة تقع تحت طائلة "الصدمة المركبة".

ويوضح عوض الله لـ "وكالة سند للأنباء"، أن هذه الحالات تنجم عن اجتماع أكثر من تجربة قاسية لدى الفرد الواحد؛ كأن يفقد المريض عائلته، ويتعرض للبتر، ويفقد منزله، وينزح مرارًا وتكرارًا ليعيش تحت وطأة خوف دائم واستجابة علاجية بالغة الصعوبة.

وتشير المتابعات الطبية إلى أن الفئة الأكثر تأثرًا وحضورًا تتراوح أعمارها بين 10 و25 عامًا، نتيجة التعرض المباشر لمشاهد الموت والانهيار التام للبيئة الاجتماعية المحيطة بهم.

وتُعد حالات "الناجي الوحيد" من العائلة، إلى جانب المصابين الذين فقدوا أطرافهم وأحبتهم معًا من بين أشد الحالات قسوة وتعقيدًا.

ولا تتوقف مأساة القطاع الصحي النفسي عند المرضى فحسب، بل تمتد لتطال الأطباء والعاملين في هذا المجال الذين يتقاسمون ذات مصير النزوح والفقد والحزن.

إذ يروي عوض الله جانبًا من معاناتهم الشخصية بالقول: "أنا كطبيب نفسي دخلت في حالة من الحزن والاكتئاب بعد النزوح"، في إشارة واضحة إلى أن حماة الصحة النفسية في غزة يعيشون في قلب العاصفة ذاتها التي يحاولون إنقاذ الآخرين من غرقها.

بيئة منعدمة الأمان وبنية تحتية منهارة

من جانبه، يؤكد مدير الصحة النفسية في وزارة الصحة بقطاع غزة، عبد الله الجمل، أن موجة واسعة من الاضطرابات النفسية أصابت مختلف فئات المجتمع بفعل الحرب المستمرة وتكرار مشاهد القصف والفقد والنزوح، لتطال الأطفال والنساء وكبار السن والمصابين والناجين.

ويوضح الجمل لـ "وكالة سند للأنباء" أن القاعدة الأساسية في علاج الصدمات النفسية تعتمد على إبعاد الإنسان عن مصدر الخطر ووضعه في بيئة آمنة أو شبه آمنة، وهو الشرط الأكثر استحالة في غزة، حيث تتجدد مصادر الضغط والخوف بلا توقف، ولا يجد المريض متسَعًا لالتقاط أنفاسه أو استقراراً نفسياً قبل أن تداهمه صدمة جديدة تجعل العلاج بالغ الصعوبة.

هذا الضغط الهائل يواجه كارثة موازية تتمثل في انهيار شبه كامل في البنية التحتية المتخصصة؛ إذ دُمّرت ستة مراكز مجتمعية للصحة النفسية بالكامل، إضافة إلى تدمير المستشفى الرئيس المتخصص بالصحة النفسية في منطقة النصر بمدينة غزة وخروجه عن الخدمة تمامًا، في حين لا تزال وزارة الصحة تحاول ترميمه وإعادة تأهيله وسط شح الإمكانيات.

وتعمل الوزارة حاليًا عبر ثلاثة مراكز رئيسية فقط لتقديم الرعاية النفسية؛ في مجمع ناصر الطبي، ومستشفى الخدمة العامة، والمنطقة الوسطى، وفق الجمل.

ولتخفيف جزء من هذا العبء، تم افتتاح مستشفى ميداني متخصص بالصحة النفسية قبل نحو أسبوعين بسعة 20 سريرًا، في محاولة يائسة لاستيعاب الضغط المتزايد على الخدمات المتاحة.

ويحذر الخبراء من أن آثار هذه الصدمات المركبة لن تتوقف بانتهاء المعارك، بل ستلقي بظلالها العميقة وطويلة الأمد على أجيال كاملة من أبناء غزة، ما لم يتم تدارك الأمر ببرامج علاجية مكثفة ودعم نفسي شامل يعيد ترميم ما أمكن من إنسان أنهكه البقاء على حافة الموت.