الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 7 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

بالصور بين الخيام والحنين.. رمضان يطرق أبواب غزة المثقلة بالفقد

حجم الخط
تقرير الزينة.jpeg
غزة – فاتن الحميدي – وكالة سند للأنباء

لا يزال النزوح في قطاع غزة شاهدًا على عامين من الإبادة، فيما يطلّ شهر رمضان هذا العام مثقلًا بالفقد، لكنه محمّل أيضًا بإرادة الحياة.

فبين أنقاض المنازل وأطراف الخيام المؤقتة، تتدلّى فوانيس صغيرة صنعتها أيادٍ متعبة، وتُثبت خيوط زينة بسيطة على شوادر مهترئة، لتعلن أن الروح أقوى من الدمار.

بين الخيام وأسواق القطاع، تجولت "وكالة سند للأنباء" لتنقل بعضًا من بهجة ونفحات رحمة، فيما تُثار مخاوف أخرى على أعتاب الشهر الفضيل، بين مَن تجرعوا مرار الفقد وقسوة النزوح.

WhatsApp Image 2026-02-16 at 12.16.51.jpeg
 

خيمتي الرمضانية كبرت.. وصارت بيت النزوح

ومن داخل خيمة نزوحها وسط قطاع غزة، تُغالب السيدة "أم محمد" دموعها وعينيها اللتين اغرورقتا بالحزن، مسترجعةً ماضٍ تحن إليه: "طول عمري كنت أستقبل رمضان كأنه ضيف عزيز، أجهّز له زاوية خاصة في بيتي الذي دمّرته الحرب؛ خيمة صغيرة تتدلّى فيها الفوانيس، تتناثر على أرضها الوسادات، ويفوح منها البخور، وتغمرها إضاءة دافئة تشبه الطمأنينة".

تصمت لبرهة من الوقت، ثم تضيف بصوت يرتجف لمراسلة "وكالة سند للأنباء": "ما كنت أعرف أن الخيمة التي كانت زاوية بالبيت، رح تكبر بعد سنة وتصير هي البيت، في مكان بعيد، من غير جدران تحمينا، ولا ذكريات تحيطنا".

WhatsApp Image 2026-02-16 at 12.16.522.jpeg
 

وتتابع حديثها، أنها وبشكلٍ مفاجئ، أحضرت زينةً عادية لرمضان؛ حبالًا ورقية بسيطة وسلكًا مضيئًا لا أكثر، وحين أضاءت السلك وعلّقت الحبال داخل الخيمة، كانت الفرحة في عيون أطفالها عارمة.

وتصف ذلك قائلةً: "كانت عيونهم تلمع كما لو أن المكان اتّسع فجأة، وكأن الخيمة استعادت شيئًا من بيتنا القديم، وراحوا الصغار يغنّون لرمضان كما اعتادوا كل عام. هذا الجو الوحيد الذي يذكّرنا بأيام زمان، ببيتنا قبل ما يتهدّم".

WhatsApp Image 2026-02-16 at 12.16.5.jpeg
 

وتذكر الأم موقفًا قريبًا، إذ طلبت ابنتها منها أن تشاركها في إعداد نشاطٍ مدرسي عن رمضان، وصنعت لها فوانيس صغيرة من الورق الملوّن بحسب الإمكانيات البسيطة المتاحة.

تبتسم بحنين وهي تستعيد ما كان قبل عامين: "كنا نُعطي كل معلمة فانوسًا عليه اسمها مزخرف، نختاره ونحن نتجول في سوق الزاوية، الذي يحمل بكل تفاصيله وبكل زاوية فيه رائحة معينة تخبرنا أنه يزداد جمالًا في رمضان".

نُدخل البهجة على القلوب

وفي الأسواق المتناثرة بين الأزقة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يصف السيد أحمد أبو ناصر الفوانيس الملونة والبخور على بسطته الصغيرة، إيذانًا باستقبال الشهر الفضيل.

على بسطةٍ صغيرة تتوسّط شارعًا مزدحمًا، يقف أحمد أبو ناصر، نازحٌ من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، يرصّ فوانيس رمضان وأحبال الزينة بعنايةٍ لافتة، كأنّه يعيد ترتيب ما تبقّى من ذاكرته.

WhatsApp Image 2026-02-16 at 12.16.49.jpeg
 

فقد منزله خلال الحرب، وانتقل مع عائلته إلى بيتٍ مستأجر، ليجد في هذه البسطة مصدر دخله الوحيد، وسبيلاً لمواصلة الحياة وسط واقعٍ مثقل بالخسارات.

يقول "أبو ناصر" لـ "وكالة سند للأنباء": إنه يبيع زينة رمضان اليوم لا للتجارة فحسب، بل "لإدخال البهجة على قلوب الصغار والكبار"، متمنّيًا أن يحلّ الشهر هذا العام وقد هدأ بال الناس، وعادت الطمأنينة إلى قلوب أهالي غزة.

ويضيف أن أقصى ما يرجوه هو أن ينعم بالأمان برفقة أطفاله بعد سنواتٍ من القلق والنزوح.

وفي البيت المستأجر، شرع "أبو ناصر" بتعليق بعض الزينة على الجدران، في محاولةٍ لاستعادة شيءٍ من دفء الأيام الخوالي، كما وصف لمراسلتنا.

WhatsApp Image 2026-02-16 at 12.16.52.jpeg
 

ويؤكد أن رمضان في غزة يحظى ببهجة خاصة كل عام قبل الحرب، لا سيما في الأسواق التي تنبض بالحياة، مضيفًا: "ونحاول أن نعيد بعض هذه البهجة رغم الدمار، قد يغيّب الركام ملامح المكان لكن روح رمضان تبقى حاضرة، بروحانيتها وأجوائها المميزة".

أول رمضان في خيمة

أمّا راوية قنيطة فتجلس إلى جوار والدتها في خيمة نزوح بمدينة دير البلح، تتخيّل كيف يمكن لرمضان أن يمرّ من هنا.

وتقول لنا، إنها تتوجّس من حلول الشهر المبارك هذا العام، فهو الأول الذي تستقبله داخل خيمة، بلا جدران ثابتة ولا سقف كما اعتادوا.

WhatsApp Image 2026-02-16 at 12.16.50.jpeg
 

وتسرد "قنيطة" لمراسلة "وكالة سند للأنباء" أن العام الأول من الحرب أمضوه في بيتٍ مستأجر، ثم عادوا في العام الثاني إلى منزلهم، متمسّكين بأمل الاستقرار: "كنا نظن أن الأسوأ مرّ"، ثم تهمس بصوت خافت: "لكن هذه المرة تهدمت جميع بيوتنا".

لم يبقَ لـ "قنيطة" ووالدتها سوى خيمة تقاومان فيها تحديات العتمة، وانقطاع الكهرباء، وغياب أبسط مظاهر الزينة التي كانت تمنح الشهر روحه الخاصة.

وتضيف أن ما يثقل قلبها ليس ضيق المكان فحسب، بل الخوف من أن يمرّ رمضان بلا ملامحه المعتادة؛ بلا أضواء، بلا فوانيس، بلا دفء التجمعات العائلية. ومع ذلك، تحاول أن تتشبّث بأملٍ صغير بأن يحمل الشهر شيئًا من السكينة، حتى وإن كان حضوره هذا العام مختلفًا ومحمّلًا بثقل الخسارات.

WhatsApp Image 2026-02-16 at 12.16.511.jpeg
 

مساجد عامرة

في ساحة مسجدٍ صغيرٍ متضرّر، تتوزّع الفوانيس الورقية وعبارات التهنئة الرمضانية على جدرانه التي أنهكها القصف، بينما تجلس مُعلمة القرآن رفقة مجموعة من الزهرات الصغيرات، يتدارسن كتاب الله كخلية نحل لا تهدأ.

تقول المعلمة، مروة شكري، إن المسجد يظلّ "مكان الروحانية الكاملة التي تُشعرنا جميعًا بحلول الشهر الفضيل وبركته"، سواء للفتيات في حلقات التحفيظ، أو للسيدات اللواتي يرتدنه لصلاة التراويح.

وتؤكد لمراسلتنا: "وبرغم تدمير المساجد ومحاولة الاحتلال طمس الدين والهوية، إلا أن جذوة الإيمان لا تزال مشتعلة في قلوبنا"، مشيرةً إلى أنهم يغذّون بهذه الجذوة قلوب أطفالهم، ويُحبّبون إليهم شهر العبادة والرحمة، ليكبروا وهم يحملون في صدورهم نورًا لا تستطيع الحرب إخماده.

ودعا المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، الشيخ محمد حسين، إلى تحري شهر رمضان المبارك لعام 1447هــ- 2026، عقب غروب شمس اليوم الثلاثاء (17 شباط/ فبراير).