لطالما تمنى أهل قطاع غزة أن يزورهم عيد الفطر هذا العام وقد حُقِنت الدماء، وغابت طائرات الغدر من السماء، وأن يحظوا ببعض الأمن والبال الهادئ، حتى يتسنى لهم – على الأقل-، أن يتنسموا بعضاً من بهجة غائبة.
ويمر العيد الثالث على قطاع غزة ولا زالت حرب الإبادة الجماعية تُضرِم نيرانها فوق الخيام والركام، وتسرق الحبيب من حبيبه لتُطفئ وهج الفرحة في القلوب، وتسلب الأمان بهذه الحروب، لكن لسان الحال يقول "شعيرة الله ووجب علينا تعظيمها".
"الخوف سيد الموقف"..
تتساءل أم أحمد بصوت خافت وهي نازحة في مدرسة تتبع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"،" أي عيد هذا يا ابنتي؟ وأي فرح؟"، مستذكرةً العيد العام الماضي الذي مرَّ تحت أزيز الرصاص والقصف.
"كنا نتمنى أن يكون هذا العيد مختلفًا، أن نكون في بيوتنا وبين أولادنا سالمين" بهذه العبارات تستكمل "أُم أحمد" حديثها لـ"وكالة سند للأنباء"، مُستدركةً "لكن الحال هو الحال، بل أشد، فقدنا الكثير، وتدمرت بيوتنا".
أما الخوف فهو سيد الموقف، إذ يتركز جُلُّ أماني أهالي غزة بتحقيق الأمن والطمأنينة، وسط الخوف من الفقد والنزوح والدمار"، وتُكمل "أم أحمد"، "الخوف لا يفارقنا حتى ونحن ننام على هذه الفرشات في المدرسة".
وتستذكر ضيفتنا الأيام الخوالي، عندما كانت تبدأ العيد بصلاة الفجر في المسجد، ثم تعود لتفطر مع العائلة على "كعك العيد" والمعمول الذي كانت تجهزه قبل أيام.
وتتابع بتنهيدة: "كانت الفرحة تملأ البيت بضحكات الصغار وهم لابسين أواعي العيد الجديدة"، لكن الآن لم تستطع "أُم أحمد" شراء ملابس العيد للأطفال، أو أين ستجد العائلة الكعك والمعمول في ظل الغلاء الفاحش؟ بل أي نفس ستفرح والقلوب يعتصرها الألم على كل هذا الفقد والدمار.
تحاول أم أحمد أن تتظاهر بالقوة من أجل أطفالها، برواية قصص العيد القديمة لهم، وتصنع بعض الحلوى البسيطة مما يتوفر لديها من مؤن قليلة.
وتستكمل حديثها الذي قطعته ابتسامة خافتة، "بعض المتطوعين يحاولون تنظيم فعاليات بسيطة للأطفال هنا في المدرسة، لكن الفرحة الحقيقية غائبة، عيونهم تسألنا دائمًا متى سنعود إلى بيوتنا، ومتى ستتوقف هذه الحرب، بماذا نجيبهم؟"
وحول أمنيتها لهذا العيد، تجيب "أُم أحمد" والدمع في عينيها: "أمنيتي أن يتوقف هذا الكابوس، أن يعود السلام إلى غزة، وأن نتمكن من إعادة بناء حياتنا وبيوتنا"، وتضيف على أمنيتها رجاءً أكبر أن يعيش أطفالها عيدًا حقيقيًا يفرحون فيه من قلوبهم دون خوف أو فقد.
"نحاول أن ننتزع الأمل من ظلمة الحرب"..
ولا يختلف حال السيدة هبة عطيش النازحة في مراكز الإيواء بدير البلح وسط قطاع غزة، عن سابقتها وهي أم لطفلين تحاول أن تنتزع الأمل وبعض الفرحة لأجل صغارها.
وتروي بحُزن شديد وبؤس أشد من وسط خيمتها انعدام البهجة وغياب الأمن والسكينة، وتحدثنا بتنهيدة كبيرة "مش قادرة أوفر لأولادي الأكل قبل ملابس العيد، لكن بحاول قد ما أقدر عشانهم".
وتستذكر مع مراسلة "وكالة سند للأنباء"، حالها وعائلتها قبل حرب الإبادة الجماعية على القطاع" رغم أن الوضع كان مستوراً، لكنه جنة بالنسبة إلى الوضع الحالي"، مُضيفةً:" كنا نشتري بدل اللبسة اثنيتن، الآن مش قادرة أوفر ربع واحدة".
وتُبدي السيدة "عطيش" امتعاضها من الوضع القائم إزاء إغلاق المعابر وغلاء الأسعار، حيث ارتفعت أسعار الملابس بشكل مهول، حتى وصل الحذاء الذي لم يتجاوز 15 شيكلاً إلى 90.
"ياه على أيام زمان"، تزيد ضيفتنا "كُنا نصحى مجهزين السماقية وكعك العيد، نشتري الشوكولاتة والحلقوم"، أما الآن بالكاد تحاول العائلة أن توفر قوت يوم أطفالها.
وتُكمل ضيفتنا حديثها بـ"قلب راضٍ"، "نُحاول أن ننتزع الفرحة انتزاع، هؤلاء أطفال ويحاولوا أن يظهروا بلباس جديد يوم العيد، وهو ما اعتادوا عليه كل عام".
وتتابع:" نحمل في قلوبنا وجعاً لجميع الشهداء، وكلنا فقدنا بيوتاً وأحبة، لكن وجب علينا أن نُفرح الصغار ببعض الملابس، والتي حصلنا على جزء منها من طرد للمساعدة".
"قهر الرجال.."
أما خالد، شاب نازح فقد منزله وعمله يقول بمرارة وقهر الرجال لـ"وكالة سند للأنباء": "العيد هذا العام هو مجرد يوم آخر من أيام النزوح والقلق، لا يوجد شعور بالعيد إطلاقًا".
ويستذكر "خالد" "كُنا نستعد للعيد بشراء الملابس الجديدة، وتزيين البيت، والتحضير للزيارات العائلية. الآن، لا بيت لدينا، ولا عمل، وحتى القدرة على توفير لقمة العيش أصبحت صعبة".
أما الاكتظاظ الشديد ففي نظر ضيفنا يجعل حتى أبسط مظاهر الاحتفال مستحيلة، مُعللاً ذلك "فالطعام شحيح، والمياه غير كافية، والوضع الصحي سيء، بالإضافة إلى ذلك، الشعور بالضياع والوحدة يسيطر على الكثيرين، خاصة من فقدوا عائلاتهم أو منازلهم بالكامل".
ويتساءل ضيوفنا كيف نفرح وقلوبنا مجروحة؟ كيف لنا أن نبتهج وجيرانا شهداء، وآخرون مصابين، وغيرهم مفقودين، وهذا فقد بيت، وآخر فقد مال وعيال، كيف؟
"أتمنى أن أحصل على دمية جديدة"..
أما الطفلة سارة ذات الـ (10 أعوام)، سألنَهَا "هل تشعرين بفرحة العيد هذا العام؟"، أجابت وهي تهز رأسها بالنفي: "لا. العيد الماضي كنا خائفين، وهذا العيد أيضًا نخاف، بيتنا تهدم، وكل ألعابي وملابسي الحلوة ضاعت".
وتتحدث براءتها قبل لسانها "كنت أرتدي فستاني الجديد، وأذهب مع أبي وأمي لزيارة جدتي وأعمامي".
وتشرُد بعينيها الصغيرتين محاولةً أن تتذكر أعياداً سابقة، " كنت ألعب مع أولاد عمي ونجمع العيدية، كنا نأكل الكعك اللذيذ ونضحك كثيرًا"، ويكسر شرودها قسوة واقع مرير "أما هنا نجلس في غرفة المدرسة، لا يوجد ألعاب جديدة ولا ملابس حلوة".
ويبدو الحزن جلياً على تعابير وجهها اللطيف، وتُعبر بالقول "بعض الأطفال يلعبون بالتراب في ساحة المدرسة، لكنني أشعر بالحزن ولا أريد اللعب".
وتتمنى سارة بصوتها المبحوح أن تتوقف الحرب، وأن تعود إلى بيتها، "أتمنى أن أرى أصدقائي الذين لم أرهم منذ وقت طويل، وأتمنى أن أحصل على دمية جديدة".