لم يعد خبر القتل في الداخل الفلسطيني المحتل حدثًا استثنائيًا يثير الصدمة، بل بات يتكرر بوتيرة تكاد تكون يومية، في مشهد يعكس تصاعدًا خطيرًا في مستويات العنف داخل المجتمع الفلسطيني بالداخل المحتل.
أرقام مفزعة تتراكم عامًا بعد آخر، ومؤشرات تشير إلى معدل يصل لجريمة قتل يوميًا، ما يحوّل الظاهرة من حوادث متفرقة إلى أزمة مجتمعية عميقة تضرب النسيج الاجتماعي في الصميم.
وبين تصاعد نفوذ عصابات الإجرام، وتراجع الإحساس بالأمن، واتهامات بتقاعس الجهات الرسمية عن فرض القانون، يعيش المواطنون حالة من القلق والخوف الدائمين، فيما تتسع دائرة الدم دون أفق واضح لوقف هذا النزيف المستمر.
قتيل يوميًّا..
بدوره؛ قال الناشط السياسي والاجتماعي في الداخل المحتل، فؤاد سلطاني، إن جرائم القتل بين فلسطينيي الداخل المحتل، ليست ظاهرة جديدة، لكنها شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا خطيرًا وغير مسبوق، محذرًا من وصول معدلات القتل إلى مستويات تفوق كثيرًا من دول العالم.
وأوضح "سلطاني" في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء" أن عام 2025 سجّل نحو 250 قتيلًا، وهو رقم مرتفع للغاية مقارنة بعدد السكان، فيما تشير المعطيات خلال أول 50 يومًا من عام 2026 إلى سقوط 55 قتيلًا، أي بمعدل يزيد عن قتيل يوميًا، ما ينذر بسنة أكثر دموية إذا استمر المنحنى التصاعدي ذاته.
وبيّن أن الصورة لم تكن على هذا النحو في سنوات الألفين، إذ كانت نسبة جرائم القتل في المجتمع اليهودي أعلى من المجتمع الفلسطيني في الداخل، لا سيما بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، لكن المعادلة انقلبت تدريجيًا، لتصبح اليوم نسبة القتل في المجتمع العربي أضعاف ما هي عليه في اليهودي.
وأشار الناشط الفلسطيني، إلى غياب تطبيق فعلي للقانون في المجتمع الفلسطيني، وترك عصابات الإجرام تنمو وتتمدّد دون رادع أو محاسبة.
وأكد أن هذا الإهمال ليس مجرد تقصير إداري، بل يعكس – بحسب تقديره – سياسة ممنهجة تهدف إلى إبقاء المجتمع العربي في حالة خوف ورعب دائمين، بما يضعف بنيته الاجتماعية ويعزز مشاعر اليأس والإحباط بين الشباب.
وأضاف أن استمرار هذا الواقع يدفع بعض العائلات إلى التفكير بالهجرة، في ظل فقدان الشعور بالأمان، معتبرًا أن هذا المسار يخدم توجهات قوى يمينية وعنصرية لا ترغب ببقاء الفلسطينيين في وطنهم بكرامة وأمان.
وختم سلطاني بالتأكيد على أن المجتمع الفلسطيني في الداخل سيواصل النضال لمواجهة آفة الجريمة والعنف، رافضًا أي دعوات لترك الأرض أو الهجرة، قائلاً: "هذا وطننا، ولن نغادره مهما اشتدت سياسات التهميش والعنصرية، وسنظل نطالب بحقنا في الأمن والحياة الكريمة كباقي شعوب العالم".
حرب خفية..
من جهته؛ يقول المحلل السياسي بالداخل المحتل د. إبراهيم أبو جابر، إن هذه الإحصائيات هي الأكبر والأفظع منذ سنوات، موضحا أن السبب فيها زيادة الصراع بين عصابات الإجرام بالداخل في الهيمنة والسيطرة على مناطق النفوذ والسوق.
وأكدّ "أبو جابر" في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء" أن البداية تمثلت في تشكيل 8 عصابات إجرامية عربية، تتشارك مع عصابات يهودية، تعمل في تجارة السموم والسلاح والخاوة، وإقراض مقابل أموال طائلة، ثم السيطرة على ممتلكات المودعين، إضافة للخاوة التي تفرضها على شركات كبيرة بمئات آلاف الشواقل شهريا.
وذكر أن المؤسسة الرسمية للاحتلال لها يد في إشعال الفتنة بين هذه العصابات، وتتركز عمليات القتل تحديدا في الجليل وشمال المثلث وصولا للنقب.
وأضاف: "أصبحت حالة العنف والقتل شيئًا طبيعيًّا وأشبه بالحرب الأهلية غير المعلنة بين فلسطينيي الداخل"، مشيرا لعدم وجود تأثير من المؤسسات الفلسطينية، تحديدا لجان المتابعة، لمحاصرة هذه الظواهر.
ومقابل العدد الكبير من القتلى الفلسطينيين، فلم يتجاوز عدد قتلى الاحتلال على هذه الخلفية 10 أشخاص، أي أن نسبة الجريمة في الوسط الفلسطيني تفوق 6 أضعاف منها في الوسط الإسرائيلي.
وبيّن أبو جابر أن جماعات الإجرام تستغل حالة الفقر في الوسط البدوي والقروي الفلسطيني، كما أنها تبحث عن الربح السريع المتمثل بالحصول على الخاوة.
