تحت ذريعة منع إلقاء الحجارة، تعيش بلدة اللبن الشرقية جنوبي مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية، تحت وطأة اقتحام إسرائيلي متواصل، تزامنا مع اقتحامات مشابهة تتعرض لها قرى وبلدات بين نابلس ورام الله، كقصرة وترمسعيا والمغيّر وسلواد، وعلى وقع مخططات ومشاريع استيطانية تجري على قدم وساق لتغيير شكل المنطقة.
ورغم أن اللبّن الشرقية تتعرض -كغيرها من البلدات- لاقتحامات الاحتلال المتكررة، لكن الاقتحام الذي شهدته البلدة الأسبوع الماضي وتحديدًا في 23 فبراير/شباط، كان الأكبر والأوسع للبلدة، ورافقه اعتداءات وتنكيل وتهديد وترهيب، ما يشي بأهداف مضمرة يسعى لها الاحتلال.
فالاقتحام الذي بدأ قبيل منتصف الليل، لم يستثن منزلا في البلدة من الدهم والتفتيش، والتحقق من هويات المواطنين، وتوجيه تهديدات للأهالي وتحذيرهم من عواقب استمرار رشق مركبات المستوطنين بالحجارة.
كما استولى الجيش على منزلين في البلدة، بعد طرد سكانهما منهما، ورفع عليهما أعلاما إسرائيلية، وحولهما إلى ثكنات عسكرية ونقاط تحقيق ميداني مع المعتقلين الذين تعرض عدد منهم للاعتداء بالضرب.
ومع استمرار الاقتحام عدة أيام متواصلة، عاشت البلدة فيما يشبه حظر التجول، فخلت الشوارع إلا من آليات الاحتلال وقواته الراجلة، والتي نصبت حواجز عشوائية في شوارع البلدة، وأوقفت المارة واحتجزتهم.
ويقول الإعلامي أدهم دراغمة أحد سكان اللبن الشرقية إن البلدة تتعرض باستمرار لاقتحامات الاحتلال، لكن الاقتحام الأخير كان مختلفا عن سابقيه؛ سواء من حيث مدته، أو حجم القوة المقتحمة، أو نطاق الاستهداف داخل البلدة.
ويوضح لـ "وكالة سند للأنباء" أن الاحتلال دفع بأعداد كبيرة من قواته إلى البلدة، وكانت الحافلات العسكرية تنقل أفواجا من الجنود إلى البلدة، ثم تعود إلى المعسكر لإحضار المزيد.
ويلفت إلى أن جميع المنازل تعرضت للدهم، و"البيت الذي لم يدخلوه مرة واحدة، دخلوه مرتين"، وهذا ما حدث لبيته شخصيا.
ويقول إن الجنود كانوا يتحققون من هوية السكان بالتقاط صور لوجوههم، فتظهر كل بياناتهم، كما وزعوا على الأهالي منشورات تحمل تهديدا ووعيدا إذا استمرت عمليات رشق مركبات المستوطنين.
عدوان قديم يتجدد
وتصاعدت هجمات المستوطنين على البلدة منذ بداية الحرب على قطاع غزة، وشدد جيش الاحتلال إجراءاته عليها بهدف خنقها.
وأواسط فبراير/ شباط الماضي، اقتحم عضو الكنيست اليميني المتطرف تسفي سوكوت، رفقة مجموعة من المستوطنين المسلحين، مدرسة بنات اللبن الشرقية الثانوية خلال ساعات الدوام المدرسي، والتقطوا صورا داخل ساحة المدرسة، وهددوا الهيئة التدريسية.
ومنذ ما قبل الحرب، كان اسم اللبن الشرقية يتردد بشكل شبه يومي كواحدة من نقاط التماس مع الاحتلال والمستوطنين، والذين يتذرعون برشق مركباتهم أثناء مرورها على شارع نابلس-رام الله لشن هجمات على البلدة وإغلاقها.
ومع بدء الحرب، عمد الاحتلال لإغلاق المدخل الرئيسي للبلدة بالسواتر الترابية، ما أجبر المواطنين على استخدام طرق ترابية بدائية، لكن الاحتلال أغلقها أيضا.
ويقول دراغمة: "كلما فتحنا طريقا بديلا يأتي الاحتلال فيغلقه ليجبرنا على استخدام طريق بلدة الساوية المجاورة".
ويحتاج أهالي اللبن الشرقية للسير مسافة 6 كيلومترات للوصول إلى الشارع الرئيسي عبر بلدة الساوية، لقطع مسافة لا تزيد عن عشرات الأمتار.
إرهاب المستوطنين
وبالتوازي مع اقتحامات الاحتلال، تتعرض البلدة لاعتداءات المستوطنين المسلحين، والذين يقتحمون البلدة بمركباتهم ويتجولون في شوارعها في طريقهم إلى جبل "طاروجا"، ولا يتورعون عن إطلاق النار باتجاه المواطنين، بدون أي مبرر.
ويربط دراغمة بين ما تتعرض له البلدة من اقتحامات الاحتلال، والمخططات الاستيطانية في المنطقة.
وشرع المستوطنون في الآونة الأخيرة بعمليات تجريف واسعة وشق طرق في أراضي المنطقة الشمالية منالبلدة وأراضي بلدتي اسكاكا وياسوف، كما أجبروا10 عائلات بدوية على الرحيل عن المنطقة تحت التهديدالمباشر بالقتل والاستيلاء على الأغنام.
وفي منطقة واد علي، أقدم المستوطنون على وضع سياج شائك حول مساحات واسعة من أراضي المواطنين، بالتزامن مع تجريف الأراضي تمهيدًا للاستيلاء عليها، كما شهد الواد الشمالي عمليات تجريف واسعة وشق طرق جديدة لخدمة النشاط الاستيطاني.
ويشير دراغمة إلى أن المنطقة الشمالية والواد أصبحت خالية من التواجد الفلسطيني وباتت مرتعا للاحتلال والمستوطنين، الأمر الذي سيحول البلدة إلى سجن كبير،في الوقت الذي يواصل الاحتلال إغلاق مدخل البلدة الرئيسي.
سياسة ممنهجة وتوزيع ادوار
ولا ينظر المختصون بشؤون الاستيطان لما يجري في اللبن الشرقية والقرى المجاورة بمعزل عن مخططات الاستيطان في وسط الضفة الغربية، ويؤكدون أن ما يجري يتم بالتنسيق بين الاحتلال والمستوطنين.
ويرى الناشط في مواجهة الاستيطان بشار القريوتي أن ما يجري هو سياسة ممنهجة ما بين جيش الاحتلال والمستوطنين لاستهداف القرى التي تقع على الشوارع الرئيسية، وكذلك القرى التي تنتشر بينها البؤر الاستيطانية، بهدف "تعجيز وإرهاب المواطنين" في هذه القرى تمهيدا لفرض أمر واقع على الفلسطينيين.
ويقول القريوتي لـ "وكالة سند للأنباء" إن هذه أصعب فترة تمر على هذه المنطقة الواقعة في وسط الضفة الغربية، والتي تتركز فيها أغلب الاقتحامات والاستهدافات والإغلاقات من جانب الجيش والمستوطنين.
ويلفت إلى أن المستوطنين أصبحوا يقيمون البؤر بين الأحياء الفلسطينية في هذه القرى، وبالتوازي مع ذلك انتقلت حواجز الاحتلال من الطرق الرابطة بين القرى إلى داخل القرية الواحدة لتفصل بين أحيائها.
وتعيش هذه القرى مرحلة صراع كبير مع المستوطنين الذين يتجولون بمركباتهم ومواشيهم وسط الأحياء الفلسطينية، وأي مواطن يدافع عن نفسه وممتلكاته يتم اعتقاله.
ويؤكد القريوتي أن هناك ثأر بين المستوطنين وهذه القرى، فالمستوطنون يغيظهم تمسك الموطنين بأرضهم ومنازلهم.
ويرجع القريوتي سبب حملات الاحتلال على هذه القرى إلى التحريض المستمر من جانب المستوطنين ضدها، فأي شكوى يتقدم بها مستوطن، حتى لو كانت كاذبة، يتدخل الجيش على إثرهامباشرة، فيفرض إجراءات انتقامية ضد هذه القرى.
