في مشهد يتكرر يوميًا خلال شهر رمضان، تحوّلت الحواجز والبوابات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية إلى عازل يفصل العائلات عن بعضها، ويمنع اجتماعها على موائد الإفطار، بعد أن قيّدت حركة التنقل بين المدن والقرى، وأغلقت مداخل بلدات كاملة، ما حرم آلاف الفلسطينيين من أبسط طقوس الشهر الفضيل: الالتئام حول مائدة واحدة.
وبات التنقل بين المدن والقرى في المحافظة الواحدة، وحتى بين البلدات المتجاورة، يستغرق ساعات طويلة من الانتظار على الحواجز والبوابات، فيما تُغلق مداخل أخرى ويُمنع التنقل عبرها منذ شهور طويلة.
عائلات كثيرة اعتاد أبناؤها المقيمون في المدن للعمل أو الدراسة العودة إلى القرى خلال رمضان والالتئام حول مائدة الإفطار، إلا أن حواجز الاحتلال باتت عائقًا أمامهم، وتحول كذلك دون لقاء الأبناء والأحفاد.
ووفق مسح أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، فقد أُقيم 36 عائقًا جديدًا للتنقل خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري.
وأوضح المكتب الأممي أن هذه الحواجز "تزيد من عرقلة قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى الخدمات الأساسية وأماكن عملهم"، مشيرًا إلى أن "إجمالي بوابات الطرق، المفتوحة أو المغلقة، في شتى أنحاء الضفة الغربية يبلغ 288 بوابة، تُشكّل ثلث عوائق التنقل، ويُغلق 60% منها بشكل متكرر".
تشديد مضاعف تزامنًا مع الحرب..
ويشير مدير عام التوثيق في هيئة الجدار والاستيطان، أمير داوود، لتشديد الاحتلال إجراءاته وإغلاقه لمعظم الحواجز المنتشرة في الضفة الغربية، بالتزامن مع الحرب التي تُشن على إيران.
ويضيف في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن عدد الحواجز وصل قبل يومين إلى نحو 918 حاجزًا بمختلف تصنيفاتها، بما يشمل الحواجز العسكرية والبوابات وأبراج المراقبة والنقاط المقامة على الجدار.
ويوضح داوود أن هذه التطورات رافقها تشديد واضح في الإغلاق والتحكم بحركة المواطنين، ما أدى إلى اختناق شديد على الحواجز وتأخير المسافرين لساعات طويلة.
ويتابع: "يأتي ذلك في شهر رمضان المبارك الذي يشهد عادة نشاطًا اجتماعيًا مكثفًا، الأمر الذي جعل إجراءات الاحتلال تؤثر بشكل مباشر في قدرة المواطنين على ممارسة حياتهم الطبيعية".
ويبيّن "داوود"، أن المؤشرات الميدانية المباشرة تظهر وجود تأثيرات كبيرة مست حياة المواطنين، خصوصًا في حرية التنقل وقدرتهم على ممارسة حياتهم اليومية، لا سيما خلال شهر رمضان.
تنقل محفوف بالمخاطر..
من جانبه، يؤكد مدير مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، ساهر صرصور، أن إجراءات الاحتلال المتعلقة بالإغلاقات والحواجز العسكرية أثرت على حرية التنقل والزيارات العائلية وصلة الرحم خلال شهر رمضان.
ويلفت صرصور في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" إلى اعتداءات المستوطنين وصعوبة التنقل بين القرى الفلسطينية، خاصة في ساعات المساء التي اعتاد فيها المواطنون تنظيم الزيارات العائلية المتبادلة خلال رمضان.
وتبرز معاناة الفلسطينيين كذلك في احتجازهم لساعات طويلة على الحواجز العسكرية أثناء تنقلهم بين المدن والقرى، الأمر الذي يجبر الكثيرين على الإفطار على الحواجز خلال شهر رمضان، كما واجهت العائلات صعوبات كبيرة في التنقل لتلبية دعوات الإفطار، ما أثّر فعليًا على التواصل الأسري، وفق صرصور.
ويردف ضيفنا: "المجتمع الفلسطيني في الضفة يُعرف بترابطه الاجتماعي القوي، وبوجود علاقات نسب ومصاهرة بين معظم القرى والتجمعات السكانية، الأمر الذي جعل صعوبة الوصول إلى العائلات عبر الحواجز سببًا مباشرًا في إعاقة التواصل بين العائلات الفلسطينية".
وما زاد من تعقيد المشهد، بحسب "صرصور:، دخول الحرب على إيران، وما رافقها من إغلاقات واسعة وإغلاق بوابات القرى والتجمعات السكانية لأيام متواصلة، ومنع الصلاة في المسجدين الأقصى والإبراهيمي.
ويؤكد الحقوقي، أن هذه الإجراءات تتعارض مع الاتفاقيات والقوانين الدولية التي تحظر على دولة الاحتلال تقييد حركة السكان الفلسطينيين، ومنعهم من الوصول إلى عائلاتهم وممارسة حياتهم الطبيعية.
افتقاد الأجواء العائلية..
وتلخص قصة الشاب محمد رصرص، الذي يقطن مع عائلته الصغيرة في مدينة دورا جنوب الخليل، جانبًا من معاناة الفلسطينيين مع الإغلاقات.
فقد اعتاد رصرص في كل شهر رمضان أن يعود برفقة زوجته وأطفاله إلى منزل العائلة في مخيم الفوار جنوب الخليل، للاجتماع على مائدة الإفطار مع الأشقاء والأهل.
ويقول رصرص لـ "وكالة سند للأنباء" إن إغلاق الاحتلال للبوابة الحديدية على مدخل المخيم حرمه هذا العام من الإفطار مع عائلته، مضيفًا أنه لا يجد إجابة لأسئلة أطفاله المتكررة عن موعد زيارة الجد والجدة في المخيم، الذين يرتبطون بهم منذ صغرهم.
ويكمل: "اعتدنا قضاء أجواء رمضان مع العائلة، فالمسافة بين منزلي في دورا ومنزل عائلتي في المخيم لا تتجاوز عشر دقائق بالمركبة، إلا أن إغلاق مدخل المخيم حرمني وأطفالي من هذا اللقاء".
وبسبب التضييقات على الحواجز، باتت زيارات الأقارب من المحافظات الأخرى خلال رمضان، خارج مخططات ضيفنا، مشيرًا إلى أن رحلة من هذا النوع باتت شاقة وقد تستغرق يومًا كاملًا إذا ما نجح في الوصول.
ويشير معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" إلى أن حركة النقل في الضفة انخفضت بنسبة 51.7%، فيما قُدّر عدد ساعات العمل الضائعة يوميًا بحوالي 191 ألفًا و146 ساعة، وهو ما يكلف الاقتصاد الفلسطيني نحو 2.8 مليون شيكل يوميًا.
سجون كبيرة..
مشهد آخر من المعاناة، يتكرس في الإغلاق المحكم الذي يفرضه الاحتلال على قريتي رأس كركر والجانية شمال رام الله، من خلال إغلاق البوابة الحديدية على مدخل رأس كركر، إلى جانب إغلاق جميع المداخل بالسواتر الترابية.
ويوضح رئيس مجلس قروي رأس كركر، رامي نوفل، أن نحو 4 آلاف نسمة يعيشون منذ أسبوع في ما يشبه "سجنًا كبيرًا"، خاصة مع حلول شهر رمضان، حيث يُمنع السكان من التنقل أو إدخال الحاجيات والمواد الغذائية بعد إغلاق البوابة.
ويشير "نوفل" في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن مئات الشبان الذين يعملون في مدينة رام الله والمناطق الأخرى كانوا يعتادون العودة لقضاء رمضان مع عائلاتهم، إلا أن الإغلاق حرمهم هذا العام من الاجتماع على مائدة الإفطار مع ذويهم.
ويبيّن أن الإغلاق يمنع كذلك الأهالي من صلة الرحم في رمضان، التي درج المواطنون على إحيائها منذ عشرات السنوات، مؤكدًا أن هذه الإجراءات خلّفت آثارًا اجتماعية واقتصادية سلبية على السكان.
ويناشد نوفل الجهات الرسمية والحقوقية التدخل والضغط على الاحتلال لرفع الإغلاق المحكم المفروض على المواطنين في الجانية ورأس كركر، خاصة في شهر رمضان الذي فقد كثيرًا من أجوائه بفعل هذه الإجراءات.
