على تلال قرية كفر نعمة إلى الغرب من محافظة رام الله والبيرة، وسط الضفة الغربية المحتلة، تواجه "قرية الشباب" حربًا صامتة تقودها أطماع المستوطنين في المنطقة أسوة بباقي الأراضي الفلسطينية.
هذا الصرح الذي أُسس ليكون عنوانًا للعمل التطوعي والتمكين الشبابي، بات اليوم مسرحاً لاقتحامات إسرائيلية يومية، تهدف إلى كسر إرادة البقاء وتغيير معالم المكان.
وبين صمود الشباب وعنف المقتحمين، تبدو "قرية الشباب" وكأنها تختصر حكاية الأرض التي يأبى أصحابها الرحيل عنها مهما بلغت شدة التضييق.
يمثل استهداف القرية، حلقة جديدة من مسلسل الاعتداءات الممنهجة، التي تواصلها مجموعات المستوطنين، تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، حيث لم تعد تقتصر على الترهيب فحسب، بل باتت تستهدف الوجود الفلسطيني في منطقة استراتيجية تشكل متنفساً للشباب والنشاطات المجتمعية، وسط مخاوف من مخططات استيطانية توسعية تلتهم ما تبقى من الأرض.
وتثير اعتداءات المستوطنين مخاوف كبيرة تتعلق بمصير المشاريع التنموية الفلسطينية في المناطق المصنفة "ب" و"ج"، في ظل غياب الحماية الدولية وتغول سياسات المصادرة.
ووفق اتفاقية أوسلو الثانية الموقعة بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" عام 1995، تم تقسيم الضفة الغربية إلى 3 مناطق؛ "أ" و"ب" و"ج"، وتخضع المنطقة "أ" للسيطرة الفلسطينية الكاملة، والمنطقة "ب" للسيطرة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، فيما تقع المنطقة "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتمثل نسبة 61% من مساحة الضفة.
تأسست "قرية الشباب" قبل عدة سنوات، كأحد مشاريع منتدى شارك الشبابي لتنمية الشباب ومنحهم فرصة التدريب العملي وممارسة نشاطات مفتوحة، بدعم مؤسسات أوروبية عديدة.
وقال مدير منتدى شارك، بدر زماعرة، إن اعتداءات المستوطنين في المنطقة بدأت عام 2018، حين شرعوا بإنشاء "بؤرة زراعية" واستولوا على الأراضي المحيطة بقرى رأس كركر، وخربثا بني حارث، وكفر نعمة، حيث تمثلت الاعتداءات حينها بمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وتخريب الطرق، والتنكيل بالأهالي أثناء تنقلهم.
وأضاف "زماعرة" في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن الاعتداءات بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، أصبحت شكلاً أكثر وحشية؛ ففي 9 أكتوبر 2023، بدأت موجة تدمير واسعة شملت تحطيم مرافق القرية، وقص الأشجار المعمرة، وتخريب المنشآت.
بالإضافة على ذلك، جرت عمليات سرقة ممنهجة للأثاث والأجهزة، حيث تعرض "المركز التعليمي" للسرقة الكاملة مرتين بعد إعادة تأثيثه، بالإضافة إلى تكسير النوافذ وخلع الأبواب، مما تسبب بخسائر تقدر بمئات آلاف الشواكل.
إفراغ القرية..
وأكد أن الهدف الحقيقي من هذه الاعتداءات ليس السيطرة على "قرية الشباب" فحسب، بل إفراغ المنطقة بأكملها، والتي تزيد مساحتها عن 2000 دونم، وتحويلها إلى مناطق محرمة على الفلسطينيين لتوسيع المحيط الاستيطاني.
وأوضح أنه خلال زيارة ميدانية للصحفيين، اعترض مستوطن طاقم "تلفزيون فلسطين"، وقام بإطلاق النار في الهواء لترهيبهم، وكما جرت العادة، حضر جيش الاحتلال ليوفر الحماية للمستوطن، وقاموا حينها باحتجازنا لمدة تجاوزت 12 ساعة، رغم وجود وزير الثقافة في المكان.
وأشار "زماعرة" إلى أن منتدى شارك الشبابي على تواصل دائم مع المنظمات الدولية والقناصل والشركاء، لإيصال تقارير ما يجري من اعتداءات إسرائيلية.
وقال إن ضابطةً في دورية الاحتلال حاولت اختلاق ذرائع قانونية لمنعنا من التواجد، فادعت أولاً أن الأرض تقع في منطقة "ج" ثم تراجعت لتدعي أنها "مناطق رعي للمستوطنين"، رغم تأكيدنا بأنها ملكيات خاصة.
وأـردف: "عندما جوبهت بالحقيقة بأن البناية تقع في منطقة (ب) تحججت بأن الوصول إليها يمر عبر منطقة (ج)، التي تخضع لسيطرتهم أمنياً وإدارياً".
وختم بالقول إن "هذا الجدل المفتعل يثبت أن الهدف الأساسي هو تفريغ المنطقة بالكامل والسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي".
وما يميز "قرية الشباب"، وفق "ضيف سند"، هو كونها نقطة استقطاب للناس، ولذلك يسعى الاحتلال بكل الوسائل لترهيب المواطنين وإخلاء المنطقة من سكانها.
دعوات لحماية قانونية..
من جانبه، رأى الكاتب مؤيد عفانة أن اعتداءات المستوطنين المستمرة في القرية الشبابية تتطلب حملة على عدّة مستويات؛ من أجل حماية قرية الشباب ووقف الهجمات المنظمة للمستوطنين، وتأمين الحماية للمدنيين والمنشآت التعليمية والشبابية في القرية.
وقال عفانة لـ "وكالة سند للأنباء" إنه لا بد من التحرك من خلال الأدوات القانونية الممكنة، وعبر أدوات الضغط والمناصرة، وعبر المؤسسات الدولية، والجهات الرسمية الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، وعموم المجتمع الفلسطيني، لحماية القرية كنموذج مُلهم للتنمية المستدامة في فلسطين.
واعتبر أن قرية الشباب نموذج لما نسبته 80% من كامل أراضي الضفة الغربية، والمصنفة (ب+ج)، الأمر الذي ينذر بتكرار التجربة لاقتلاع المواطنين الفلسطينيين من بلداتهم وقراهم وتجمعاتهم البدوية، وأراضيهم الزراعية، ومصالحهم التجارية.
ودعا "عفانة" لجهود مشتركة من أجل اجتراح استراتيجية لحماية القرى والبلدات الفلسطينية والتجمعات البدوية والريفية.
وحذر من أن الانتظار يعني مزيدًا من التهجير والسيطرة الاستيطانية على الأرض، ومزيدًا من الخنق الاقتصادي والاجتماعي للشعب الفلسطيني، وتدمير البُنى التحتية، واجهاض التنمية المستدامة.
وتشهد مناطق واسعة في الضفة الغربية، اعتداءات متكررة من قوات الاحتلال ومستوطنيه، تشمل الاحتجاز ومنع الوصول، ومصادرة البطاقات والمقتنيات الشخصية.
