في خيمةٍ مهترئة على أطراف مدينة غزة، لم يعد الطهي مجرد طقس يومي لإعداد وجبة تسدّ رمق الجوع، بل تحوّل إلى مخاطرة يومية قد تترك على الأجساد ندوبًا لا تزول، وعلى الأرواح خوفًا دائمًا من النار.
في ظل حرب الإبادة الجماعية المستمرة، وغياب غاز الطهي منذ عامين، باتت ألسنة اللهب المشتعلة بالحطب والبلاستيك بديلاً قاسيًا، يدفع ثمنه الأطفال والنساء أولًا.

كنت أريد إطعام أطفالي فقط
راوية عبد العال (39 عامًا)، واحدة من عشرات النساء اللواتي دفعت أجسادهن ثمن غياب الغاز.
داخل مركز الإيواء الذي تقطن فيه، كانت تحاول إعداد وجبة بسيطة لأطفالها على نار مشتعلة بالحطب، حين انقلب وعاء الطعام فجأة.
تقول راوية لـ"وكالة سند للأنباء"، وصوتها يرتجف: "لم أشعر إلا والطعام الذي يغلي تلتهم يديّ وقدميّ، كنت أصرخ وأحاول إبعاد القدر، لكن المكان ضيق جدًا، وأطفالي حولي".
أصيبت راوية بحروق في يديها وقدميها، نُقلت على إثرها إلى المستشفى، حيث خضعت لعمليات جراحية يومية لمدة أسبوع كامل.
"كانوا يغيرون الضمادات كل يوم.. الألم لا يُحتمل، لكن خوفي الأكبر كان أن أبقى عاجزة عن خدمة أطفالي"، تضيف وهي تنظر إلى آثار الجروح التي ما زالت تغطي أطرافها.
لم تكن راوية تفكر سوى في وجبة تسدّ جوع أطفالها، لكنها خرجت بندوب جسدية ونفسية، وما تزال بحاجة إلى متابعة طبية طويلة لتفادي مضاعفات دائمة.

طفلة بوجهٍ مغطى بالضمادات
أما عبير الجوجو، ذات الأعوام السبعة، فلم تكن تدرك أن اقترابها من والدتها أثناء الطهي سيغيّر ملامح طفولتها.
كانت والدتها تطهو على نار مشتعلة داخل مساحة النزوح الضيقة، حين اندلع اللهب فجأة، وامتد إلى رأس الصغيرة ووجهها "صرخت عبير صرخة ما زالت ترنّ في أذني"، تقول والدتها وهي تمسح دموعها.
أصيبت عبير بحروق في الرأس والوجه، وتخضع الآن لعلاج متواصل، فيما يغطي الشاش الأبيض ملامحها الصغيرة، ترفض أحيانًا دخول غرفة العلاج، وتتشبث بيد والدتها خوفًا من الألم.
الأطباء يؤكدون أن حالتها تحتاج إلى متابعة طويلة، وربما تدخلات تجميلية مستقبلًا، في ظل نقص حاد في المستلزمات الطبية.

ارتفاع حاد بحالات الحروق..
الدكتورة وسام سكر، طبيبة عامة في عيادة أطباء بلا حدود شمال قطاع غزة، تقول في حديثها لـ"وكالة سند للأنباء"، إنها لاحظت ارتفاعًا حادًا في حالات الحروق الناتجة عن الطهي على النار، مؤكدة أن كل عيادة في القطاع تستقبل بمعدل 20 حالة حروق يوميًا.
وتوضح أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا، تليهم النساء، حيث يشكّل الأطفال والنساء ما نسبته 80% من مجمل الإصابات بالحروق الناتجة عن الطهي على النار.

وترجع الطبيبة "سكر" هذا الارتفاع الخطير إلى انعدام غاز الطهي في قطاع غزة منذ عامين، ما يضطر السكان لاستخدام النار المكشوفة لإعداد الطعام، في بيئة تعجّ بالاكتظاظ والنزوح وانعدام الأمان.
وتشير إلى أن الضغط النفسي الشديد الذي تتعرض له الأمهات، وظروف الإيواء القاسية، والتكدس السكاني في مساحات ضيقة، كلها عوامل تسهم في وقوع حوادث حروق غير متعمدة.

وتبيّن أن معظم الحروق التي تستقبلها العيادات هي من الدرجة الثانية، تتفاوت خطورتها تبعًا لمساحة الحرق وعمقه، ويتم تحويل الحالات الخطيرة إلى المستشفيات، حيث تحتاج بعض الإصابات إلى عناية مكثفة ومبيت لفترات طويلة، مع تغيير يومي للضمادات وجلسات علاج طبيعي.
وتؤكد أن علاج الحروق يتطلب عناية خاصة وإمكانيات طبية متقدمة، غير أن نقص هذه الإمكانيات في القطاع يؤدي إلى تأخر شفاء المصابين، ما قد يخلّف على المدى البعيد ندبات وتشوهات تجميلية، تترك آثارًا نفسية وعصبية عميقة، خاصة لدى الأطفال، لا سيما إذا كانت الحروق في أماكن مكشوفة كالوجه والأطراف.

وتحذّر الطبيبة من أن عدم معالجة آلام الحروق لدى الأطفال بشكل صحيح قد يدفعهم إلى رفض استكمال العلاج، ويزرع في داخلهم رهبة دائمة من دخول المستشفى.
كما تشير إلى أن المسكنات والمضادات الحيوية اللازمة لعلاج الحروق متوفرة بكميات قليلة.
وتلفت إلى أن مرحلة ما بعد شفاء الحرق لا تقل صعوبة، إذ يحتاج المريض إلى متابعة علاج آثار الحروق لفترة قد تصل إلى عام ونصف، وقد تتطلب بعض الحالات تدخلات جراحية تجميلية تحتاج إلى أدوات خاصة وإمكانيات طبية كبيرة لا تتوفر إلا في عيادات أطباء بلا حدود المتخصصة في علاج الحروق داخل القطاع.
وللتقليل من حوادث الحروق، تنصح الطبيبة الأهالي بتخصيص مكان آمن للطهي، وإبعاد الأطفال عنه، والتأكد من إطفاء النار تمامًا بعد الانتهاء، وإبعاد الأطفال عن أواني الطهي الساخنة.
كما تؤكد على ضرورة استخدام الماء الفاتر لمدة 20 دقيقة فور حدوث الحرق، وعدم وضع أي مواد على موضع الإصابة، ونقل المصاب إلى المستشفى فورًا.
في غزة، لم تعد النار مجرد وسيلة للطهي، بل تحولت إلى تهديد يومي يلتهم الأجساد الصغيرة قبل أن يهدأ لهيب الحرب.
وبين خيمة وأخرى، تتكرر الحكاية ذاتها: أم تحاول إطعام أطفالها، وطفل يدفع الثمن بندبةٍ تبقى شاهدة على زمنٍ احترقت فيه الطفولة مرتين، مرة بنار الحرب، ومرة بنار الحاجة.

