في قلب غزة، حيث دُمرت الحقول وجرفت الأراضي بفعل حرب الإبادة، تجد السيدة الفلسطينية جيهان أبو مور من مدينة خانيونس جنوبي القطاع نفسها أمام تحدٍ مزدوج؛ شح الإنتاجات الزراعية وحرصها على صحة ابنتها التي تعاني من حساسية القمح.
وسط هذه الظروف الصعبة، لجأت "أبو مور" إلى مشروع زراعي صغير، تسعى من خلاله لإنتاج خضروات طازجة خالية من المواد الحافظة، لتضمن لطفلتها غذاءً صحيًا، وفي الوقت نفسه لتؤمن مصدر دخل لعائلتها.
هذا المشروع ليس مجرد وسيلة للعيش، بل هو مثال حي على الصمود والإبداع في مواجهة الحصار والدمار، حيث تتحول أرض قليلة الخصوبة إلى نافذة أمل وحياة.

تأمين دخل وغذاء صحي..
وعن تفاصيل البدايات، تقول "أبو مور" في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء": "كنت قبل النزوح مزارعة بسيطة في غزة، لكن النزوح القسري لسبع مرات قلب حياتي رأسًا على عقب".
ووسط شح الغذاء وارتفاع أسعار الخضروات الخيالية وتجريف الاحتلال لمساحات واسعة من الأراضي الزراعية شرق القطاع، قررت "أبو مور" العودة للزراعة على أرض مساحتها حوالي 800 متر.
لا تأتي هذه الخطوة لتأمين مصدر دخل لعائلتها فحسب، بل الأهم لتأمين غذاء صحي لابنتها المصابة بحساسية القمح (مرض السيلياك)، والتي تحتاج إلى خضروات طازجة وخالية من الجلوتين والمواد الحافظة.
وتلفت "أبو مور" النظر إلى أنَّها وسعت مشروعها من خلال التعاون مع مؤسسة دالية ومنظمات الإغاثة الزراعية، آملةً تطويره أكثر في المستقبل.

ورغم خبرتها السابقة بالزراعة، اضطرت "أبو مور" بعد اتفاق التهدئة في غزة إلى إعادة بناء مشروعها من الصفر، متمثلاً ذلك بشراء البذور من السوق، ثم تنشيفها ومعالجتها قبل زراعتها، لتضمن نمو محاصيل صحية وطازجة.
وتضم أرض السيدة "أبو مور" في مكان نزوحها في مواصي خانيونس بئر 19، محاصيل صيفية مثل الملوخية، الباذنجان، البطاطا، الفلفل الأخضر والقرع، بالإضافة إلى محاصيل شتوية مثل السبانخ، السلق، البطاطا، الجزر والفول الأخضر.
تحديات لا تنقطع..
ولا يخلُ أي طريق من معيقات، إذ تعرضت "أبو مور" وفق ما أوردته لمراسلتنا، لمعيقات جمة أبرزها نقص المياه، وكذلك التربة الرملية التي قامت بمزجها مع التربة الطينية لتحسين الإنتاج.
أما التحديات السوقية، فكانت غلاء الأسعار، انخفاض المنتج وتذبذب الأسعار، ما يزيد الضغط على المشروع ويجعل التخطيط صعبًا أحيانًا.

وكان للنزوح المتكرر وقعاً صعباً على "جيهان" من جميع النواحي، موضحةً: "نزحت أكثر من سبع مرات بسبب خطورة المناطق الحمراء، وكنت أزرع فعليًا، وأترك مزروعاتي قسراً".
وتزيد: "كل المزروعات تضررت بفعل الأمطار والتربة الطينية، حيث غرقت المحاصيل ووصلت المياه إلى حوالي متر ونصف، ما أدى إلى فقدان معظم النباتات، ما اضطرني للنزوح من مكان إلى آخر بحثًا عن أرض صالحة للزراعة وأمان لعائلتي".
وفي المقابل، تصف "أبو مور" شعورها: "إحساسي يكون بقمة الفرح عندما أرى النبتة تنمو، كأنها ابنتي تكبر، ويزداد فرحي عندما أطعم ابنتي شمس، المريضة بحساسية القمح، بخضروات خالية من الجلوتين والملوثات الكيميائية".

ويترك المشروع أثرًا إيجابيًا على نفسية "أبو مور"، موضحة: "يخلق بيئة خضراء حولي، كما يتيح لي تلبية احتياجات أسرتي، كما يُعد مصدر دخلي الأساسي لي ولأولادي، مانحًا إياي شعورًا بالاستقلال والأمان رغم الظروف الصعبة".
وتستفيد "أبو مور" من تربية الدجاج، خاصةً في ظل شُح الأسمدة، حيث تستخدم السماد الطبيعي وتقوم بتخميره لدعم الزراعة، مما يعزز إنتاجيتها ويقلل الاعتماد على المواد الكيميائية.
وتلفت النظر إلى أنها لا تستخدم أي مبيدات كيميائية في زراعتها، مضيفةً:" وأبيع المحاصيل فقط في منطقتي المحلية، نظرًا لصغر مساحة الأرض، إذ لا تسمح بإنتاج كميات كبيرة للتسويق الخارجي".

خسائر زراعية..
وتكشف ورقة صادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في 18 فبراير/ شباط 2026، أنَّ حرب الإبادة أحدثت تحولات جذرية في المشهد الحياتي والبيئي ما أدى إلى انهيار شبه كامل للبنية التحتية، وتلوث مصادر المياه، وحرائق، وجرف واسع للأراضي، وتراكم الأنقاض والنفايات، مع ارتفاع معدلات الأمراض وانتشار الأوبئة.
وأظهر تقييم حديث، استناداً إلى صور جوية حتى 30 آذار/مارس 2025، أن نحو 81٪ من المساحات الزراعية في قطاع غزة تعرضت للتدمير نتيجة التجريف والقصف وتحرك الآليات العسكرية الثقيلة.

وارتفعت نسب التدمير بشكل ملحوظ في محافظتي خان يونس ورفح؛ إذ ارتفعت من 67٪ إلى 74٪، ما يعكس التدهور السريع والمستمر في البنية الزراعية للقطاع، ما أدى إلى تفكيك منظومة الأمن الغذائي وخلق تبعية دائمة للمساعدات الإنسانية. بحسب "مؤسسة الدراسات الفلسطينية".

