لم يكن ذلك اليوم عاديًا في حياة نجوى أبو عطيوي، من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لحظة قصفٍ واحدة قلبت حياتها رأسًا على عقب، وغيّرت ملامحها إلى الأبد.
نجت نجوى من الموت بأعجوبة بعدما وُضعت في الكفن ظنًا أنها فارقت الحياة، لكنها استيقظت على فقدان إحدى عينيها وتشوّه وجهها، وعلى فاجعة أكبر لا تُمحى: استشهاد طفلتها هاجر (7 سنوات).
ومنذ ذلك اليوم، تعيش الأم الأربعينية رحلة قاسية بين الألم الجسدي والصدمة النفسية، بينما تحاول أن تطمئن أطفالها الذين لم يعودوا يتعرفون بسهولة إلى ملامح أمهم.

من تحت الركام إلى العناية المركزة
كانت نجوى أبو عطيوي (41 عامًا) من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تعيش حياة بسيطة بين بيتها وأطفالها الثلاثة وعملها في صالون تجميل تحبه، لكن فجر يومٍ دامٍ خلال حرب الإبادة الجماعية التي استمرت عامين على قطاع غزة، استهدف الاحتلال منزل العائلة، فدُمر بالكامل واستشهدت طفلتها هاجر (7 أعوام)، ووالدة زوجها، وأخت زوجها.
حُملت نجوى من تحت الركام ظنًا أنها استشهدت، ووُضعت في الكفن، لكن فجأة حركت يدها، لتبدأ قصة نجاة بدت أشبه بالمعجزة.
نُقلت على الفور إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط القطاع، حيث مكثت 3 أيام في العناية المركزة بينما كانت الطواقم الطبية تنتظر إعلان استشهادها.
تقول أبو عطيوي خلال حديثها لـ"وكالة سند للأنباء"، إن إصابتها كانت قاسية؛ فقدت عينها بشكل كامل، وتعرض فكها وأسنانها لضرر بالغ جعل تناول الطعام شبه مستحيل.
وتضيف: "أكلي ضعيف جدًا، وأضطر للذهاب إلى المستشفى لأتلقى الغذاء عبر المحاليل الطبية".
قبل الإصابة كان وزنها 55 كيلوغرامًا، لكنه انخفض إلى 38 كيلوغرامًا فقط. وخلال الأسبوعين الأخيرين فقط تمكنت بصعوبة من فتح فكيها لمسافة بسيطة.

حين يخاف الأطفال من ملامح أمهم
لكن الألم الجسدي لم يكن الأصعب بالنسبة لها، تقول نجوى إن أصعب ما عاشته كان نظرات أطفالها الصغار إليها بعد الإصابة، فابنتها (9 سنوات) وابنها (8 سنوات) والأصغر (4 سنوات) لم يستطيعوا فهم التغير الكبير في وجه أمهم.
وتروي لحظة قاسية لا تفارقها: "ابني أول شافني حضن أبوه صار يقول له: هذه ليست أمي".
ومنذ ذلك الوقت تحاول نجوى طمأنتهم بطريقتها الخاصة، تقول: "أحاول أن أريهم صوري قبل الإصابة حتى يتأكدوا أني أمهم".
لكن تلك اللحظات تبقى قاسية عليها: "يجلسون بجواري وينظرون إليّ بصمت لوقت طويل، حينها أنفجر بالبكاء على حالي".
كما يسألها ابنها باستمرار: "ماما وين عينك؟"، فتجيبه محاولة تخفيف الألم عنه: "أقول له الدكتور أخذها ليعالجها".

صدمة نفسية وحياة تغيّرت بالكامل
وتسببت الإصابة والتشوه الذي لحق بوجهها بصدمة نفسية شديدة دفعتها لتلقي علاج نفسي وتناول مهدئات للأعصاب لتخفيف التوتر والصدمة التي تعاني منها.
تقول نجوى: "أصبحت أحب الوحدة واعتزال الناس… كنت أحب الجميع وأتعرف على الناس، كنت صاحبة صالون تجميل، والآن انكسرت".
ومع ذلك، يبقى أطفالها مصدر القوة الوحيد لها، تضيف: "عندما أرى أولادي مبسوطين حولي تتحسن نفسيتي، وأتشجع أن أنظر إلى نفسي في المرآة وأفكر بالعودة إلى عملي".

أمنية هاجر التي بقيت في قلب أمها
ولا تفارقها ذكرى طفلتها الشهيدة هاجر، تروي نجوى بحزن:"كانت نفسها في بيجامة جديدة زرقاء وحذاء جديد، ولم أتمكن من تلبية طلبها قبل استشهادها".
وتضيف: "بعد استشهادها عندما توفر بين يدي المال اشتريت ما كانت تتمناه وتصدقت به لفتاة محتاجة، رغم حاجة أبنائي للملابس، لكني وهبته عن روح ابنتي الشهيدة".
وفي خضم هذه المحنة، تقول إن زوجها وأخواتها يشكلون سندها الأكبر، بينما لا تستطيع والدتها المسنة البالغة 85 عامًا إخفاء دموعها كلما رأت ابنتها.
تقول نجوى: "عندما تراني أمي لا تستطيع أن تحبس دموعها.. فأبكي معها".

اليوم، لا تطلب نجوى الكثير، حلمها بسيط لكنه بعيد المنال: أن تتمكن من السفر خارج غزة لتلقي العلاج بعد أن فقدت عينها وتشوه وجهها، وأن يُفتح المعبر لتتاح لها فرصة استعادة جزء من حياتها.
فكل ما تتمناه، كما تقول، أن تستعيد جزءًا من وجهها، وأن تعود أمًا لأطفالها كما كانت، بلا خوف.

