في بيتٍ صغير ببلدة الظاهرية، جنوبي مدينة الخليل، لا يزال خمسة أطفال ينتظرون صوت أمهم، يحدقون في الباب كل مساء على أمل أن تعود دعاء البطاط حاملة دفء البيت وطمأنينة الأيام.
لكن الاحتلال اختار أن يحول اشتياق أمٍ لشقيقها إلى تهمة، وأن يجعل من صورة نُشرت على مواقع التواصل سبباً لاعتقال أمٍ وانتزاعها من حضن أطفالها.
وبين جدران التحقيق الباردة، تقف دعاء وحدها، فيما يقف أطفالها في مواجهة خوف لا يعرفون كيف يشرحونه، وتعيش والدتها وجعاً جديداً يفوق وجع سنوات الأسر الطويلة.
تقول أم هيثم البطاط، والدة الأسيرة دعاء، لـ"وكالة سند للأنباء"، إن ابنتها كانت مدللة العائلة ورفيقة أيامها الصعبة، مضيفة: "كانت الأنيس الوحيد لي في فترة اعتقال أخيها هيثم، وصعب جداً أن تبعد عني، فما زلت أعتبرها طفلتي الصغيرة التي لا تفارقني".
وتتابع الأم المكلومة أن دعاء لم تتركها في أحلك الظروف، خصوصاً حين توفيت شقيقتها في شهر رمضان الماضي، وكانت ترسل أبناءها إليها قائلة: "لن نفطر حتى تفطري معنا"، مؤكدة أن ابنتها لم تدعها تواجه حزنها وحدها يوماً.
والأسيرة دعاء البطاط، تبلغ من العمر 36 عاماً، وهي أم لخمسة أطفال، ولدين وثلاث بنات، كرّست حياتها لرعايتهم وتربيتهم، وكانت تحرص على تحفيظهم القرآن الكريم ومتابعة تفوقهم الدراسي، فيما عُرفت بانشغالها ببيتها وأسرتها، بعيداً عن أي نشاط تنظيمي أو حراك سياسي.
وبحسب عائلتها، فإن كل ما فعلته دعاء هو نشر صورة لشقيقها هيثم البطاط، الأسير المحرر الذي أمضى 22 عاماً في سجون الاحتلال قبل الإفراج عنه وإبعاده إلى الخارج، تعبيراً عن اشتياقها لشقيق اعتُقل وهي في العاشرة من عمرها، ولم تعش معه طفولتها، وكانت تعتبره الأب بعد وفاة والدها.
وتتساءل والدتها بحرقة: "هل الاشتياق للأخ أصبح تحريضاً؟ وتحريض على ماذا؟"، مضيفة أن الاحتلال لم يكتف باعتقال دعاء، بل جعل أبناءها بلا أم وتركهم في حضن جدتهم المثقلة بالعمر والمرض.
وتؤكد أم هيثم، أن اعتقال ابنها هيثم طوال 22 عاماً لم يكن بالقسوة التي تعيشها اليوم مع اعتقال دعاء، قائلة: "اعتقال دعاء كسرني".
واعتقلت قوات الاحتلال دعاء فجر الثلاثاء الموافق 26 مارس/آذار الماضي، بعد مداهمة منزل العائلة في بلدة الظاهرية، قبل نقلها إلى مركز تحقيق "المسكوبية" في القدس، حيث خضعت لتحقيقات قاسية وسط ظروف صعبة.
ووجّهت سلطات الاحتلال للأسيرة دعاء تهمة "التحريض" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تهمة فضفاضة تستخدمها سلطات الاحتلال بشكل متكرر ضد الفلسطينيين بسبب منشورات أو صور تتعلق بالأسرى والشهداء، فيما جرى تمديد اعتقالها عدة مرات بذريعة استكمال التحقيق.
ومن المقرر أن تعقد المحكمة الإسرائيلية جلسة جديدة للنظر في قضيتها بتاريخ 3 مايو/أيار 2026، وسط مخاوف عائلية وحقوقية من إصدار حكم فعلي بحقها استناداً إلى بند التحريض.
ويزيد من قسوة المشهد أن دعاء تركت خلفها خمسة أطفال، أكبرهم طفلة تبلغ من العمر 12 عاماً، بينما أصغرهم رضيع لا يتجاوز عمره عاماً ونصف العام.
ولا تتوقف المعاناة عند دعاء وحدها، إذ تعيش والدتها، وهي أسيرة محررة اعتُقلت ثلاث مرات سابقاً وتعاني أمراضاً في القلب، صدمة نفسية وصحية متفاقمة منذ اعتقال ابنتها، فيما تحرم أيضاً من لقاء ابنها المحرر هيثم المبعد إلى الخارج.
وفي زنازين السجن، تواجه دعاء كما باقي الأسيرات ظروفاً معيشية قاسية تشمل نقص الأغطية، ورداءة الطعام، والحرمان من الزيارات العائلية المنتظمة، بينما يقضي أطفالها أيامهم على انتظار لا يعرفون متى ينتهي.
