حين يحتفي العالم بـ "عيد العمال"، في الأول من أيار كل عام، لا يحمل كثير من عمال غزة أدواتهم التي اعتادوا عليها يوماً، لا دفاتر المعلمين تُفتح في الصفوف، ولا خوذات المهندسين تلمع فوق رؤوسهم في مواقع البناء.
هنا، في قطاعٍ أكلته الحرب وابتلع الركام ملامحه، تبدّلت المهن كما تبدّلت الوجوه، صار المهندس يفتش بين الخرسانة عن قضيب حديد، والمعلم يكسر الحجارة بيديه ليؤمّن قوت يومه.
في غزة، لم يعد العمل مهنةً تُختار، بل ضرورة تُفرض، ومن بين ملايين الأطنان من الركام، وُلد اقتصاد جديد قاسٍ ومرير؛ "اقتصاد الركام"، حيث تحوّل آلاف الغزيين إلى عمال إزالة أنقاض وإعادة تدوير بدائية، في مشهد يختصر مأساة مجتمعٍ كامل أُجبر على إعادة تعريف معنى العمل والحياة.
الحرب غيرت تعريف المهنة..
قبل الحرب، كان محمود الكحلوت (38 عاماً) يعمل مهندساً مدنياً في شركة مقاولات بمدينة غزة، يرسم الخرائط ويشرف على مشاريع البناء.
اليوم، يقف محمود فوق أنقاض منزلٍ مدمر شرق المدينة، يحمل مطرقة حديدية، ويكسر كتل الإسمنت بحثاً عن أسياخ حديد قابلة للبيع.
ويقول لـ "وكالة سند للأنباء": "كنتُ أبني البيوت للناس، واليوم أبحث بين ركامها عن قطعة حديد أبيعها لأشتري خبزاً لأطفالي، الحرب لم تدمر الأبنية فقط، بل دمّرت تعريفنا لأنفسنا".
ويضيف وهو يمسح الغبار عن وجهه: "كل ضربة بالمطرقة أشعر وكأنني أهدم جزءاً آخر من حياتي السابقة".
أم محمد أبو عودة (47 عاماً)، كانت تدير مطبخاً منزلياً صغيراً قبل الحرب، لكنها اليوم تعمل مع أبنائها في تنظيف الحجارة المستخرجة من البيوت المهدمة لإعادة بيعها.
تقول لـ "وكالة سند للأنباء": "كنا نصنع الطعام للناس، واليوم نغسل الحجارة بالماء ونزيل عنها الغبار لنبيعها، لم أكن أتخيل يوماً أن يصبح الركام مصدر رزقنا الوحيد".
وتتابع بصوت متعب: "حين أرى يديّ المتشققتين من حمل الحجارة، أتذكر أنني كنت أزينهما بالعجين والبهارات، لا بغبار الإسمنت".
تحوّل قاسٍ..
ولم يسلم أصحاب المهن الأكاديمية من هذا التحول القاسي، فـأحمد زقوت (31 عاماً)، معلم رياضيات فقد مدرسته ومنزله، بات يقضي يومه في إزالة الردم يدوياً مستخدماً المجارف والمطارق.
ويوضح لـ "وكالة سند للأنباء": "كنت أشرح لطلابي قوانين الهندسة، واليوم أستخدم تلك المعرفة لأعرف كيف أزيل كتلة خرسانية دون أن تنهار فوق رأسي".
ويضيف: "أصعب ما في الأمر ليس التعب الجسدي، بل الإحساس بأن سنوات التعليم والخبرة تحوّلت فجأة إلى رفاهية لا مكان لها في زمن البقاء".
اقتصاد الضرورة..
ومع ارتفاع البطالة في قطاع غزة إلى 86%، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، لم يعد أمام آلاف العمال سوى الانخراط في أعمال إزالة الأنقاض واستخراج الحجارة والحديد.
ويتقاضى معظمهم أجوراً لا تتجاوز 13 دولاراً يومياً مقابل ساعات طويلة من العمل الشاق، وسط غياب كامل لمعايير السلامة المهنية.
ويقول الأمين العام للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، شاهر سعد، إن الطبقة العاملة الفلسطينية تمر بـ"أصعب مرحلة في تاريخها"، في ظل ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة، وحرمان مئات آلاف العمال من مصادر دخلهم منذ نحو 30 شهراً.
ويوضح سعد في تصريح لـ "وكالة سند للأنباء"، أن نحو 550 ألف عامل فلسطيني باتوا دون عمل، بينهم 248 ألف عامل كانوا يعملون داخل "إسرائيل"، مشيراً إلى أن أجور هذه الفئة كانت تُقدّر بنحو مليار و350 مليون شيقل شهرياً، ما يعكس حجم الخسارة الاقتصادية المتراكمة.
في حين، بلغت نسبة البطالة نحو 85% في قطاع غزة، و40% في الضفة الغربية، في مستويات وصفها سعد بأنها "غير مسبوقة تاريخياً".
يشير سعد إلى أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف العمالة الفلسطينية تُقدّر بنحو 9 مليارات دولار خلال 30 شهراً، محذراً من أن ذلك انعكس سلباً على مجمل الاقتصاد الوطني، الذي كان يعتمد تاريخياً بنسبة تصل إلى 25% على العمالة داخل "إسرائيل".
ومنذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ازداد القمع الإسرائيلي ضد العمال الفلسطينيين، وخصوصًا عمال غزة، حيث تم اعتقال المئات منهم أثناء أدائهم أعمالهم في الأراضي المحتلة، وإبعاد العشرات إلى الضفة الغربية ومنعهم من العودة للقطاع.
ويحتفل العالم بـ "يوم العمال العالمي" في الأول من مايو/ أيار كل عام؛ بينما تُعلن الجهات الرسمية عن عطلة رسمية في العديد من الدول تقديراً لجهود العمال.
ويرمز "يوم العمال" إلى نضال الطبقة العاملة من أجل حقوقها، وتعود جذور هذا اليوم إلى إضرابات عمالية كبيرة في شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1886.
