في وقتٍ يُفترض أن يشكل فيه اليوم العالمي لحرية الصحافة مناسبةً لتكريس حماية الصحفيين وتعزيز دورهم، يبرز الواقع الفلسطيني كنموذجٍ صارخٍ لانتهاك هذه القيم، حيث يواجه الصحفيون انتهاكات متصاعدة تمس حياتهم وحريتهم وقدرتهم على نقل الحقيقة.
وفي خضم هذا المشهد، يقدّم الصحفي والأسير المحرر علي سمودي شهادة حية على غياب العدالة الدولية وتراجع دور المؤسسات الحقوقية، في ظل استمرار استهداف الصحفي الفلسطيني على خلفية عمله المهني.
وأكد سمودي في حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، تزامناً مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، وبعد يومين من الإفراج عنه من سجون الاحتلال، أن الصحفي الفلسطيني يدفع ثمن غياب العدالة والديمقراطية، واحتضار المؤسسات التي تدّعي الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما لا تتورع "إسرائيل" عن ممارسة كل أشكال الانتهاكات بحق هذا الصحفي، فقط لكونه فلسطينياً.
ويشدد سمودي أن الصحفي الفلسطيني لا يزال يعاني – ككل أبناء شعبه – بسبب الاحتلال الإسرائيلي الذي يمارس كل أشكال الانتهاكات، بهدف محاربة دوره في تغطية الأحداث ومنعه من أداء رسالته بحرية، ووفق ما كفلته كافة الأعراف والمواثيق الدولية.
والخميس الماضي، أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلية عن الصحفي سمودي (59 عاماً)، بعد أن أمضى عاماً كاملاً في الاعتقال الإداري، عانى خلاله من سياسة التجويع والإهمال الطبي.
وأشار سمودي إلى أنه ترك خلفه عدداً كبيراً من الصحفيين الذين يقبعون في سجون الاحتلال "بشكل تعسفي وظالم".
وقال: "أمضيت عاماً كاملاً دون تهمة، وكان الهدف واضحاً، وهو تغييبـي عن الميدان ومنعي من تأدية رسالتي، وهو استمرار لسياسة تكميم الأفواه وإخراس الأصوات واغتيال الشهود".
اغتيال بطيئ..
وربط سمودي بين محاولة اغتياله مع زميلته الصحفية شيرين أبو عاقلة عام 2022 واعتقاله الأخير، مشيراً إلى أنه، وخلال عمله الصحفي طوال 40 عاماً، تعرض للإصابة 8 مرات أثناء تغطياته الميدانية.
وعبّر عن اعتقاده أن اعتقاله جاء في محاولة أخرى لاغتياله بطريقة بطيئة هذه المرة، بعد نجاته من محاولة الاغتيال السابقة.
وأضاف: "قبل أربع سنوات نجوت من الموت بأعجوبة بعد إصابتي، وأعتقد أنني نجوت اليوم من الموت بأعجوبة داخل سجون الاحتلال"، منبهاً إلى أن اعتقاله الأخير كان له تأثير كبير على صحته وحياته، وقد دفع ثمناً غالياً سيترك تداعيات سلبية على حالته الصحية لفترة طويلة.
معايير مزدوجة..
ووجّه سمودي لوماً كبيراً للمؤسسات التي تحمل لواء الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، معتبراً أن ما حصل في غزة من استهداف مباشر للصحفيين "أسقط القناع وكشف عن العورة الكبيرة" للمنظمات الحقوقية الدولية التي عجزت عن حماية مواثيقها وقوانينها تجاه الصحفي الفلسطيني.
واعتبر أن مواثيق تلك المؤسسات تبدو وكأنها صيغت لحماية أعداء الحرية والديمقراطية، بينما الصحفي الفلسطيني عانى وما زال، مضيفًا: "لو تعلق الأمر بشعوب أخرى لاختلفت المعادلة، وهو ما يكشف عن المعايير المزدوجة في العالم".
وأوضح سمودي أن الصحفي الفلسطيني داخل سجون الاحتلال لا يعاني فقط من القيد والاعتقال، بل يُحرم أيضاً من كل حقوقه، ولا يمكنه ممارسة أي دور صحفي أو اكتساب أي خبرة أو إخراج أي معلومة، وهو ما يشكل انتهاكاً أكبر للحقوق والمواثيق الدولية.
وشدد على أن التهمة الوحيدة لاعتقاله هي كونه صحفياً، ولهذا صدر بحقه أمر اعتقال إداري لا يستند إلى أي تهمة، وإنما بدعوى وجود ملف سري ضده، مؤكداً أن الهدف هو منعه من تأدية دوره ورسالته.
وأشار إلى أن ضباط الاحتلال ادعوا خلال التحقيق أن عمله الصحفي شكّل خطراً على الأمن الإسرائيلي، رغم أن الصحفيين الفلسطينيين يلتزمون بكافة المعايير والقوانين العالمية، ويخضعون أثناء تغطية الأحداث للأوامر العسكرية.
وكشف سمودي عن نزعة انتقامية في تعامل سجّاني الاحتلال معه، وذكر أنهم قالوا له: "سنتركك لتتعفن داخل السجون".
وفي حادثة أخرى، قال إنه تعرض للتحريض للاعتداء عليه وإهانته أثناء نقله من سجن لآخر، إذ نادى أحد الجنود على زملائه قائلاً: "تعالوا وانظروا، هذا مخرب من الجزيرة".
وأشار إلى أن جنود الاحتلال لم يراعوا أثناء اعتقاله كونه صحفياً أو حتى إنساناً، وتعرض للضرب على موقع الإصابة، مضيفاً: "خرجت من السجون محملاً بعشرة أمراض من أعلى رأسي وحتى أخمص قدميّ".
ويحل اليوم العالمي لحرية الصحافة في 3 مايو/أيار، في وقت يواجه فيه الوسط الإعلامي الفلسطيني تحديات وجودية تُعد الأكثر دموية في التاريخ الحديث.
ووفق المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتقال 45 صحفياً فلسطينياً في سجونها، وسط ظروف قاسية وانتهاكات مستمرة تمس حريتهم وكرامتهم.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، صعّد الاحتلال استهدافه للصحفيين، إذ اعتقل أكثر من 220 صحفياً وصحفية، واغتال أكثر من 260 صحفياً فلسطينياً، فضلاً عن إصابة قرابة 460 آخرين.
وفجر اليوم، اعتقلت قوات الاحتلال الصحفية إسلام عمارنة، شقيقة الصحفي الأسير أسيد عمارنة وزوجة الأسير أسامة حماد، بعد اقتحام منزل والدها في مخيم الدهيشة بمحافظة بيت لحم، في مسلسل متواصل من الاعتداءات والانتهاكات بحق الصحفيين.
