في أزقة مخيم الشاطئ المكتظة غربي مدينة غزة، تحول مساء أمس الجمعة إلى كابوس حي يجسد فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية التي لم تتوقف بقطاع غزة منذ أكثر من عامين؛ بسبب الحرب العدوانية المستمرة منذ الـ 7 من أكتوبر 2023.
استهداف طائرات الاحتلال لمنزل عائلة "الأضم" لم يكن مجرد غارة روتينية، بل حمل في طياته ملامح خطة ترهيب إسرائيلية مبرمجة باتت تُنذر باحتمالية عودة سياسة استهداف جديدة تقوم على والترويع النفسي بالإخلاء اللحظي، ليس مجرد التدمير فحسب.
ذعر في أزقة المخيم
تداول ناشطون وصحفيون عبر منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق اللحظات العصيبة التي سبقت وتلت الجريمة. تبدأ المشاهد بحالة من الهلع الجماعي؛ نساء يحملن أطفالهن الرضع، ورجال يهرعون في العتمة الدامسة عبر الأزقة الضيقة فور ذيوع نبأ "إنذار الإخلاء".
لم يمهل الاحتلال السكان سوى دقائق معدودة، حيث أغارت الطائرات الحربية مرتين متتاليتين على المنزل المكون من طابق أرضي. ودوي الانفجار العنيف الذي سُمِع في أرجاء بعيد من المخيم، خلّف وراءه كتلة ضخمة من الغبار والنيران التي أضاءت ليل المخيم الحزين، وسط صرخات التكبير والاستغاثة وتدافع طواقم الإنقاذ.
وأوضح المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة، محمود بصل، أن القصف الصاروخي أسفر عن إصابة 9 مواطنين بجروح مباشرة، ونجم عنه تدمير منزل عائلة الأضم بشكل كامل.
ولم تتوقف الكارثة عند حدود البيت المستهدف؛ بل تمددت النيران لتلتهم وتلحق أضراراً بالغة بعشرات المنازل المجاورة المتلاصقة بحكم طبيعة المخيم العمرانية. وبفعل الحرائق والتصدعات الخطيرة، باتت عشرات العائلات اليوم محرومة من مأواها ومطاردة بخطر انهيار أسقف منازلها فوق رؤوسها.
في ظل هذا الاستهداف المتعمد للأحياء السكنية، أطلق الدفاع المدني نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي، ومؤسسات حقوق الإنسان، والوسطاء، بضرورة التدخل الفوري لوقف هذه المجازر وتوفير الحماية للمدنيين والمنشآت الخدمية.
سياسة إسرائيلية متكررة
وخلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، تكرر نموذج "الإخلاء السريع ثم التدمير الشامل للمربع السكني" الذي سبق أن عبرت من خلاله تقاريرحقوقية عن ملامح سياسة قاسية ومدروسة تهدف إلى، التهجير اللحظي، والتدميرالتتابعي بأقل جهد، وصنع بيئة طاردة للحياة.
وتضع هذه السياسة الإسرائيلية السكان تحت ضغط مرعب يدفعهم للفرار بملابسهم فقط، مجردين من أوراقهم الثبوتية وأمتعتهم الأساسية. كما يستغل الاحتلال البناء العشوائي المتلاصق في المخيمات لضمان تصدع وهدم مربع كامل بصاروخ واحد، مما يُخرج الحي بأكمله عن الخدمة السكنية.
وتعمد هذه السياسة لتحويل المخيمات التي تمثل رمزية اللجوء الفلسطيني إلى أكوام من الركام غير القابل للترميم، لفرض واقع نزوح لا ينتهي.
ومع بزوع فجر اليوم الجمعة، عاد أهالي "بلوك 9" في مخيم الشاطىء غربي مدينة غزة يتلمسون جدران بيوتهم المتفحمة، ويبحثون بين الرماد عن ذكرياتهم، رغم وجعهم، ومسطرين مشهد صمود جديد أمام آلة القتل والترهيب الإسرائيلية التي لا تتوقف.
هدنة غزة.. خروقات لا تنتهي
وتواصل قوات الاحتلال خرق اتفاقية وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب العدوانية؛ التي وقعت في مدينة شرم الشيخ المصرية بوساطة عربية وأمريكية، يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، عبر تنفيذ عمليات إطلاق نار وقصف جوي ومدفعي ونسف منازل ومنشآت مدنية في القطاع المنكوب.
ووفق آخر معطيات لوزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، فقد بلغ إجمالي عدد الشهداء 846، فيما وصل عدد الإصابات إلى 2418، منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025.
