لم تعد المأساة في غزة تتوقف عند حدود الموت، بل امتدت إلى ما بعده؛ إلى اللحظة الأخيرة التي يفترض أن يجد فيها الإنسان مثواه الأخير بكرامة وسلام.
في القطاع المحاصر والمنهك بالحرب، تحوّلت رحلة دفن الموتى إلى معاناة يومية ثقيلة، تختلط فيها رائحة التراب بالخوف والعجز والدموع، لم تعد العائلات تبحث فقط عن ناجين تحت الركام، بل باتت تبحث أيضاً عن قطعة أرض صغيرة تحتضن من فقدتهم.
ومع التدمير الواسع للمقابر، ونفاد المساحات المخصصة للدفن، وارتفاع تكاليف تجهيز القبور، أصبحت مراسم الوداع في غزة مشهداً قاسياً يختصر حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

أزمة تتفاقم تحت القصف
تحوّلت عملية الدفن في قطاع غزة إلى مهمة معقدة وشاقة تستغرق ساعات طويلة، وسط اضطرار العائلات للتنقل المتكرر بحثاً عن أماكن متاحة للدفن، أو اللجوء إلى حلول اضطرارية ومؤلمة، تشمل الدفن في مساحات ضيقة أو فوق جثامين أخرى بطرق غير منتظمة.
وتتراوح تكلفة تجهيز وبناء القبر الواحد بين 1200 و1400 شيكل، أي ما يقارب 500 دولار أمريكي، فيما ترتفع في بعض المناطق التي تشهد تصعيداً عسكرياً وحصاراً خانقاً إلى نحو 2000 شيكل، نتيجة النقص الحاد والمستمر في مواد البناء والمستلزمات الأساسية الخاصة بالدفن.
وفي ظل الانهيار الاقتصادي والإنساني الذي يضرب القطاع، باتت هذه التكاليف عبئاً يفوق قدرة آلاف العائلات التي فقدت منازلها ومصادر دخلها، ما دفع بعضها إلى تأجيل دفن ذويها أو اللجوء إلى وسائل بدائية لا تليق بحرمة الموتى.

93.5% من المقابر تضررت
بحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن أزمة المقابر في قطاع غزة لم تعد مرتبطة فقط بنقص المساحات المتاحة للدفن، بل تعكس انهياراً واسعاً في البنية الجنائزية بفعل الدمار الذي طال المقابر منذ بدء الحرب.
ووفقاً لمعطيات المرصد، تعرضت نحو 93.5% من مقابر القطاع للتدمير الكلي أو الجزئي، حيث دُمّرت 39 مقبرة بشكل كامل من أصل 62 مقبرة رسمية.
وتعرضت 19 مقبرة لأضرار جزئية، ولم تبقَ سوى أربع مقابر فقط سليمة، الأمر الذي تسبب بضغط هائل على القدرة الاستيعابية لمواقع الدفن المتبقية.

وفي محافظة رفح، طال التدمير جميع المقابر بشكل كامل، بينما تضم محافظة خان يونس 24 مقبرة، تعرضت 83.3% منها للتدمير الكامل، فيما لحقت أضرار جزئية ببقية المقابر.
أما شمال قطاع غزة، فقد تضررت المقابر العشر كافة بدرجات متفاوتة بين التدمير الكلي والجزئي، في حين تضم مدينة غزة 11 مقبرة، تعرضت 45.5% منها للتدمير الكامل، بينما أصيبت بقية المقابر بأضرار جزئية.
وفي المنطقة الوسطى، تضررت أربع مقابر بشكل جزئي، فيما بقيت أربع أخرى دون أضرار مباشرة، لكنها تعاني ضغطاً متزايداً مع استمرار أعداد الضحايا.

قبور بدائية
وفي واحدة من أكثر المشاهد إيلاماً، كشفت شهادات لمواطنين عن تعرض بعض القبور البدائية لعمليات نبش من قبل الكلاب الضالة، بسبب ضحالة القبور التي لا يتجاوز عمقها نصف متر.
وأوضح السكان أن استخدام ألواح الصفيح "الزينقو" في الردم السطحي، نتيجة غياب مواد البناء والمعدات اللازمة، سهّل وصول الحيوانات إلى الجثامين وإخراجها من القبور.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة نفاد القبور في معظم مناطق القطاع، في ظل استمرار الحرب وتصاعد أعداد الشهداء.

وأكدت الوزارة أن الاستهداف الممنهج للمدنيين تزامن مع تدمير أكثر من 40 مقبرة بشكل كلي أو جزئي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، الأمر الذي أدى إلى تقلص حاد في المساحات المخصصة للدفن.
وأضافت أن القيود المفروضة على الوصول إلى المقابر الواقعة ضمن مناطق السيطرة العسكرية الإسرائيلية فاقمت الأزمة، واستنزفت المقابر المتبقية، في وقت تتزايد فيه أعداد الشهداء والوفيات بشكل يومي.
وأشارت الوزارة إلى أن منع إدخال الأكفان ومواد البناء والمستلزمات الأساسية الخاصة بتجهيز القبور، زاد من صعوبة تنفيذ عمليات الدفن وفق الضوابط الشرعية والإنسانية.
ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ تسببت أوامر الإخلاء والنزوح بتحويل مساحات واسعة كانت مخصصة للدفن إلى مراكز لإيواء النازحين، ما ضاعف من تعقيد الأزمة وترك القطاع أمام كارثة إنسانية مفتوحة.
