أمضى محمد رحال عاماً ونصف العام نازحاً بعدما أجبره الجيش الإسرائيلي على مغادرة منزله في مخيم جنين للاجئين في الضفة الغربية المحتلة.
في نهاية المطاف، اشترى رحال منزلاً جديداً على أطراف المخيم. وبعد شهور من العمل المضني في تجهيزه لعائلته الكبيرة، عاد الجنود الإسرائيليون يطرقون بابه مرة أخرى.
هذه المرة، أخبروه أنه يجب عليه المغادرة حتى يتم استخدام المنزل كمركز عسكري متقدم خلال الشهرين المقبلين.
قال رحال لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني: "كنت أعمل أحياناً 20 ساعة في اليوم في تجهيز المنزل. كنت آمل في الاستقرار والسلام بعد معاناة النزوح".
وقد أصبح استخدام الجيش الإسرائيلي للمنازل المدنية كمواقع عسكرية أمراً شائعاً بشكل متزايد في الضفة الغربية المحتلة.
واشتدت هذه الممارسة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 بالتزامن مع تصاعد حملة القمع الإسرائيلية في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية.
العدوان على شمال الضفة الغربية
في أوائل عام 2025، شن الجيش الإسرائيلي هجوماً واسع النطاق في جنين وطولكرم وطوباس. وقد دمرت العملية مخيمات اللاجئين في جميع أنحاء شمال الضفة الغربية، حيث هُدمت المنازل أو أُحرقت أو صودرت من قبل الجنود.
وقد نزح ما يقرب من 40 ألف فلسطيني، معظمهم من مخيم جنين للاجئين فيما اتهمت منظمات حقوق الإنسان والخبراء إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي في هجوم الضفة الغربية.
وكان رحال وعائلته من بين الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم عندما بدأ الهجوم في يناير/كانون الثاني 2025.
قال: "كانت عائلتي، إخوتي الخمسة وعائلاتهم، يعيشون جميعاً في نفس المبنى داخل المخيم. وعندما بدأت العملية العسكرية، اضطررنا إلى الفرار لأن المبنى كان متضرراً ومدمراً جزئياً".
على مدى الأشهر الأربعة عشر التالية، عاشت العائلة في سكن طلابي في الجامعة العربية الأمريكية، والذي وصفه رحال بأنه صعب ومكتظ.
وعزماً منه على إعادة بناء حياتهم، قام هو وأبناؤه بتجميع مواردهم لشراء منزل في حي الجابريات المجاور، المطل على المخيم.
وقال رحال: "على الرغم من أن الأمر يمتد لشهرين، إلا أن الاحتلال غير قابل للتنبؤ به".
ويقع العقار على حافة قطعة أرض مساحتها سبعة دونمات استولت عليها سلطات الاحتلال في مايو/أيار، على الرغم من أنها تقع في المنطقة (أ) بموجب اتفاقيات أوسلو، وهي منطقة تديرها السلطة الفلسطينية رسمياً.
وبعد شهرين فقط من انتقاله إلى المنزل، وصل جنود إسرائيليون يوم الثلاثاء وأمروا رحال بالمغادرة في غضون 10 دقائق.
بعد إجراء مناقشات مع العائلة، مدد الجنود الموعد النهائي حتى صباح الخميس.
وقد أمضى رحال اليومين التاليين في إزالة الأثاث والممتلكات التي أمضى أسابيع في شرائها وترتيبها على عجل.
والآن، ليس أمامه سوى انتظار انتهاء الأمر العسكري في 23 أغسطس/آب، ويأمل أن يُسمح له بالعودة.
لكن بعد كل ما عانته عائلته، ليس لديه ثقة كبيرة في أن المنزل سيعاد كما وعد.
وقال: "بإمكانهم تمديد عملية الاستيلاء لفترة أخرى، ثم أخرى، حتى يتم الاستيلاء على المنزل بشكل دائم".
لا مكان للذهاب إليه
في المنزل المجاور، تلقت فداء أبو الهيجا أمراً مماثلاً بإخلاء منزلها.
ويعتقد السكان أن الجيش الإسرائيلي يستعد لإنشاء معسكر عسكري على الأرض التي صادرها مؤخراً بين المنازل.
ويخشى الكثيرون أن يمتد الاستيلاء إلى ما هو أبعد من بضعة عقارات، ليشمل في نهاية المطاف الحي بأكمله.
يطل منزل أبو الهيجا على الأرض المصادرة، مما يعزز المخاوف من أن الوجود العسكري يهدف إلى أن يكون طويل الأمد.
تعيش هناك مع أطفالها الثلاثة بينما زوجها مسجون لدى إسرائيل منذ ما يقرب من أربع سنوات.
صدر أمر طرد مماثل لمنزل صهرها عبد السلام القريب من منزلها، والذي يقبع هو الآخر في السجن منذ أكثر من أربع سنوات. ويتعين على عائلته المكونة من أربعة أفراد مغادرة المنزل أيضاً.
حتى قبل صدور الأمر الأخير، قالت أبو الهيجا إن الجنود كانوا يداهمون المنزل بشكل متكرر خلال الهجوم على جنين، مما أثار ذعر أطفالها وألحق أضراراً بالغرف. وأصبح الكثير من الأثاث الآن غير صالح للاستخدام.
وقالت: "في بعض الأحيان كنت أضطر للعودة في منتصف الطريق من العمل لأن الجنود كانوا في كل مكان. كنت أعرف أنهم لن يتركوني وشأني".
إلا أن أمر الطرد الرسمي يمثل تصعيداً جديداً، وقد أثار مخاوف من أن يصبح الاستحواذ دائماً.
وقالت أبو الهيجا إنه بعد أن دُمر منزل عائلة زوجها داخل مخيم جنين، ليس لديها مكان آخر تذهب إليه.
وأضافت بينما كان العمال ينقلون الأثاث من منزلها على عجل، إنها تبحث الآن عن عقار للإيجار في محاولة لإنقاذ ما تبقى من حياة عائلتها.
وقالت: "الأثاث مكدس في الخارج لأنني أريد إنقاذه قبل أن يتلف"، مضيفة "لقد عشنا في ظل هذا الوضع المأساوي لأكثر من عام".
مدينة أشباح
يطل حي الجابريات على مخيم جنين للاجئين، مما يجعله ذا قيمة استراتيجية للقوات الإسرائيلية وعرضة بشكل متزايد لمصادرة المنازل.
ويعيش معتصم إستاتي في مكان قريب ويخشى أن يكون منزله هو التالي.
فقد أمضت عائلته أكثر من عام نازحة بعد أن احتل الجنود منزلهم خلال الهجوم على المخيم. ثم عاد لاحقاً في محاولة لحمايته.
وقال: "منذ عودتنا، نشعر وكأننا نعيش في مدينة أشباح. كل ما نسمعه هو أصوات المركبات العسكرية. كان هذا الحي نابضاً بالحياة، أما الآن فهو شبه مهجور".
حرصاً على سلامتهم، نادراً ما يسمح إستاتي لأطفاله بمغادرة المنزل بمفردهم.
كما قام الجيش بإغلاق الطريق الرئيسي المؤدي إلى الموقع بالأسلاك الشائكة، مما أجبر السكان على سلوك طريق بديل وعر.
وقال: "نعلم أن البقاء هنا أمر خطير، لكننا نريد حماية منازلنا حتى اللحظة الأخيرة".
وأضاف: "لا نعلم ما يخبئه المستقبل لأطفالنا ولنا بعد قرار مصادرة الأرض القريبة منا".
قال محمد جرار، رئيس بلدية جنين، إن الجابرية هي واحدة من أكبر أحياء المدينة، وتضم حوالي 10 آلاف فلسطيني.
وبسبب إطلالة أجزاء من المنطقة على مخيم اللاجئين، ازداد عدد المنازل التي تم الاستيلاء عليها. وقد أُجبرت 15 عائلة على الأقل في الجابريات على مغادرة منازلها منذ بدء الهجوم.
وقال جرار إن القيود الإسرائيلية منعت أيضاً فرق البلدية من الوصول إلى بعض الأحياء القريبة من المخيم لتقديم الخدمات الأساسية للعديد من العائلات التي لا تزال تعيش هناك.
وأضاف أنه في إحدى المناطق تسبب أنبوب صرف صحي متضرر في غمر الشوارع وخلق خطر صحي، لكن عمال البلدية لم يتمكنوا من الوصول إلى الموقع.
وقال جرار: "نخشى أن يصبح تهجير هذه العائلات دائماً. يبدو أن الاحتلال مصمم على تهجير أكبر عدد ممكن من السكان من الأحياء المحيطة بالمخيم".
وبحسب البلدية، فقد نزحت حوالي 800 عائلة من الأحياء في جميع أنحاء مدينة جنين، باستثناء مخيم اللاجئين نفسه.
وأضاف جرار: "حتى أولئك الذين بقوا يتعرضون للضغط من خلال حجب الخدمات".
وختم بالقول: "الهدف هو جعل الحياة صعبة للغاية لدرجة أن يغادر الناس من تلقاء أنفسهم".
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع ميدل إيست آي أضغط هنا
