في خيمةٍ تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وعلى أسرّة المستشفيات المكتظة بالمرضى، وفي مراكز إيواء أنهكها النزوح والفقر، تتكرر يومياً حكايات الألم ذاتها في قطاع غزة.
فبينما تواصل حرب الاحتلال الإسرائيلية تدمير المنظومة الصحية وإغلاق أبواب العلاج أمام آلاف المرضى، يتحول انقطاع الدواء إلى حكمٍ بالموت البطيء يلاحق مرضى القلب والسرطان والكلى والأمراض المزمنة، الذين يجدون أنفسهم وحيدين في مواجهة المرض والعجز وقسوة الواقع.
فلم تعد معاناة المرضى في غزة تقتصر على آلام أمراضهم، بل باتت تمتد إلى رحلة يومية شاقة للبحث عن دواء مفقود، أو جرعة علاج مؤجلة، أو فرصة نجاة تنتظر فتح المعابر ووصول الإمدادات الطبية التي باتت شحيحة إلى حد خطير.
"أخشى أن تودي الجلطة القادمة بحياتي"
يجلس الستيني نهاد أحمد مثقلاً بالخوف والقلق، بعدما حُرم منذ شهر من دواء القلب الذي يحتاجه بصورة منتظمة بسبب آثار جلطة أصابت قلبه سابقاً.
يقول "نهاد" لـ "وكالة سند للأنباء"، إنه اعتاد التوجه شهرياً إلى العيادة الحكومية في حي الدرج بمدينة غزة، للحصول على علاجه، إلا أن الدواء اختفى منذ أكثر من شهر.
وحين حاول شراؤه من الصيدليات الخاصة، اصطدم بأسعار تفوق قدرته المادية، إذ يحتاج إلى سبعة أشرطة شهرياً لا يستطيع تأمين ثمنها.
ويضيف بحسرة: "عدم تناولي للدواء أثر عليّ كثيراً، أصبحت أتعب من أقل جهد، وصرت أخشى أن أصاب بجلطة مرة أخرى تودي بحياتي هذه المرة".
معاناة بلا علاج ولا مسكنات
وفي إحدى زوايا خيمة طبية داخل مجمع الشفاء الطبي، تجلس ملكية الجبالي وقد ارتسمت على وجهها ملامح الانكسار، وهي تروي تفاصيل معاناة زوجها المريض بالسرطان.
تقول إن زوجها خضع لعملية استئصال المرارة ولم يتلق سوى ثلاث جرعات كيماوية، بينما يعاني حالياً من آثار جانبية حادة ويحتاج إلى علاجات خاصة بالسرطان والكلى بشكل يومي ودائم.
وتتابع: "زوجي مريض منذ ثلاث سنوات، ومنذ سبتمبر الماضي لم يحصل على أي جرعة علاج، نحن هنا منسيون تماماً ومهمشون، ولا أحد يهتم لأمرنا، نريد فقط تسهيل دخول الأدوية".
ومع تناقص المخزون الدوائي، بات العديد من مرضى السرطان يتلقون الجرعات الكيماوية دون توفر المسكنات اللازمة لتخفيف آلامهم، فيما أوشكت المضادات الحيوية والأدوية المساندة لعلاجهم على النفاد، ما يضاعف معاناتهم ويهدد حياتهم بشكل مباشر.
أرقام صادمة
من جانبه، يؤكد مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة الدكتور محمد أبو عفش، أن مخزون العديد من الأدوية الأساسية وصل إلى الصفر، خصوصاً أدوية مرضى الكلى والسرطان والهيموفيليا، إضافة إلى النقص الحاد في أدوية الأمراض المزمنة.
ويوضح خلال حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن العجز في أدوية السرطان تجاوز 50%، فيما تخطى النقص في أدوية أمراض القلب 75%، الأمر الذي فاقم معاناة المرضى الذين ينتظرون العلاج أو السفر إلى الخارج لتلقي الرعاية الطبية.
ويشير "أبو عفش" إلى أن قطاع غزة يضم أكثر من 24 ألف مريض قلب، وأكثر من 300 ألف مريض ضغط وسكري، إضافة إلى ما يزيد على 14 ألف مريض سرطان.
ويؤكد أن نحو 5 آلاف من مرضى السرطان حصلوا على تحويلات من الدرجة الأولى للعلاج خارج القطاع، لكن القيود الإسرائيلية تحول دون مغادرتهم إلا بأعداد محدودة للغاية.
وحول تداعيات نقص الأدوية، يكشف أن أكثر من 4 آلاف مريض بالسكري وارتفاع ضغط الدم تعرضوا لمشكلات في العيون نتيجة انقطاع العلاج لأسابيع، فيما توفي أكثر من 1300 مريض كانوا ينتظرون الإجلاء للعلاج خارج القطاع.
ويتحدث عن أكثر من 20 ألف مريض شُخّصت حالاتهم ويحتاجون إلى الإجلاء العاجل، إلى جانب عشرات الآلاف الذين لم يتمكن الأطباء من تشخيصهم بسبب غياب أجهزة الرنين المغناطيسي والأجهزة التشخيصية ونقص المحاليل الطبية في مستشفيات القطاع.
ويحذر "أبو عفش" من أن الأوضاع الصحية تتدهور يوماً بعد يوم، لافتاً إلى أن أدوية مرضى الصرع أوشكت على النفاد، ما تسبب بزيادة حالات الإغماء بين المرضى، فيما يهدد استمرار الأزمة بفقدان المزيد من الأرواح، خاصة بين مرضى السرطان والأمراض المزمنة.
وناشد بالقول إن إنقاذ حياة آلاف المرضى يتطلب تدخلاً عاجلاً عبر إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية والطواقم الصحية من خلال منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الدولية، قبل أن تتحول أزمة نقص الدواء إلى كارثة إنسانية أكبر تحصد مزيداً من الأرواح في قطاع غزة.
وكانت وزارة الصحة الفلسطينية، قد حذرت في بيان سابق لها، من تسارع تفاقم أزمة الأدوية والمخزون الدوائي والمخبري والمستهلكات الطبية، مؤكدة أن أكثر من ثلث الأصناف الدوائية الموجودة في قائمة الأدوية الأساسية بات رصيدها صفر، وأن مئات الأصناف رصيدها أقل من حد الطلب الطارئ.
وأشارت إلى أن الأزمة الحالية تتزامن مع استمرار الكارثة الصحية والإنسانية في قطاع غزة، حيث تواجه المرافق الصحية هناك نقصًا حادًا في الأدوية والمستهلكات الطبية والوقود والمستلزمات المنقذة للحياة، في ظل التدمير الواسع الذي طال المستشفيات والمراكز الصحية، والاستنزاف المستمر للطواقم الطبية.
وأكدت الوزارة أن الاحتياجات الصحية في قطاع غزة تتزايد بشكل غير مسبوق، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من نقص حاد في الإمكانيات والموارد، الأمر الذي يضاعف حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسات الصحية الفلسطينية ويستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا لضمان تدفق الإمدادات الطبية والإنسانية بشكل مستدام ودون عوائق.
