لم تعد مشاهدة مباريات كأس العالم في قطاع غزة كما كانت قبل سنوات، عندما كانت كرة القدم تتحول إلى مناسبة اجتماعية واسعة تجمع العائلات والجيران في الشوارع والمقاهي، إذ فرضت حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة واقعاً جديداً جعل متابعة مباراة واحدة تحدياً يرتبط بتوفر الكهرباء والإنترنت والمال، وسط النزوح والجوع وانهيار مقومات الحياة اليومية.
وخلال مباراة كأس العالم بين مصر وبلجيكا، تجمع مئات الفلسطينيين في مناطق مختلفة من قطاع غزة أمام شاشات عرض وفرتها لجنة الإغاثة المصرية، التي أتاحت الكهرباء والمقاعد والإضاءة وخدمة الإنترنت، في مشهد نادر أعاد إلى السكان جزءاً من أجواء افتقدوها منذ بداية الحرب.
وجاءت المباراة التي انطلقت عند الساعة العاشرة مساءً في وقت تحولت فيه ساعات الليل في غزة إلى فترة يفضل السكان خلالها البقاء داخل الخيام ومراكز النزوح، خشية الهجمات العسكرية الإسرائيلية واستمرار حالة انعدام الأمن.
ويختلف المشهد بشكل كامل عما اعتاد عليه الفلسطينيون قبل الحرب، إذ كانت بطولات كأس العالم تمثل موسماً اجتماعياً في غزة، يحمل خلاله السكان أجهزة التلفاز إلى الشوارع لمتابعة المباريات بشكل جماعي، وسط حضور الأطفال والعائلات وتبادل الطعام والمشروبات.
مشاهدة المباريات حلم بعيد المنال
خلال مونديال قطر 2022، تحولت أحياء غزة إلى ساحات مشاهدة مفتوحة، وظهرت المنافسات بين مشجعي المنتخبات المختلفة، بينما كانت مباريات المنتخبات العربية، خصوصاً المنتخب المغربي، توحد غالبية الجماهير خلف فريق واحد.
لكن بعد سنوات من الحرب والدمار، أصبحت مشاهدة مباراة كرة قدم بالنسبة لآلاف النازحين داخل الخيام أمراً بعيد المنال، بسبب الحاجة إلى كهرباء وشاشات واتصال بالإنترنت واشتراكات رياضية، وهي أمور لم تعد متوفرة لمعظم العائلات.
وقال نازحون حضروا العرض الجماعي للمباراة إن المشهد لم يكن مجرد حدث رياضي، بل محاولة مؤقتة للهروب من واقع الحرب.
وذكر رائد عزوم، وهو أحد النازحين من مدينة رفح، أن التجمع كان أقرب إلى مهرجان شعبي وليس مجرد متابعة لمباراة كرة قدم.
وأضاف أن أصوات التشجيع والهتافات غطت للحظات على أصوات الطائرات المسيّرة والقصف، معتبراً أن السكان عاشوا ساعات قليلة شعروا خلالها وكأن الحرب توقفت.
إلا أن مثل هذه اللحظات باتت محدودة جداً، بحسب صحفيين يتابعون الحياة اليومية في القطاع، إذ لم تعد كرة القدم أولوية أمام معركة البحث المستمرة عن الغذاء والمياه.
تأمين احتياجات أساسية أكثر إلحاحاً
وقال الصحفي أحمد بركات إن الاهتمام الجماهيري بكأس العالم تراجع بصورة كبيرة مقارنة بالأعوام السابقة، موضحاً أن السكان أصبحوا منشغلين بتأمين احتياجات أساسية أكثر إلحاحاً.
وأضاف أن كثيرين باتوا أمام خيارات صعبة بين السهر لمتابعة مباراة أو الاستيقاظ مبكراً للبحث عن المياه والطعام قبل ازدحام نقاط التوزيع، وهي حسابات لم تكن موجودة قبل الحرب رغم سنوات الحصار الطويلة.
كما انعكس الانهيار الاقتصادي وارتفاع الأسعار على المقاهي التي تعرض المباريات، حيث أصبحت تكلفة مشاهدة لقاء كروي تفوق قدرة غالبية السكان.
فبعد أن كانت متابعة مباراة مع بعض المشروبات تكلف مبالغ بسيطة، باتت الأسعار الحالية تشكل عبئاً على الأسر التي تفضل إنفاق أي مبلغ متوفر على الطعام والاحتياجات الأساسية.
ويقول سكان إن بعض المقاهي باتت تطلب حداً أدنى من الإنفاق أو رسوماً إضافية لمشاهدة المباريات، ما جعل حضورها مقتصراً على فئات قليلة لا تزال تمتلك القدرة المالية.
وقال محمد رأفت، وهو نازح وأب لثلاثة أطفال، إن الأولويات تغيرت بالكامل، مضيفاً أنه إذا كان الخيار بين مشاهدة مباراة أو شراء طعام للأسرة، فإن الطعام يأتي أولاً.
ورغم ذلك، لم تنجح الحرب في إنهاء ارتباط الفلسطينيين بكرة القدم، إذ لا يزال كثيرون يحاولون متابعة المباريات كلما أتيحت الفرصة، باعتبارها مساحة صغيرة لاستعادة الحياة الطبيعية وسط الظروف القاسية.
إبادة القطاع الرياضي في غزة
تأتي هذه المشاهد في وقت تعرض فيه القطاع الرياضي في غزة لضربات قاسية، بعد تدمير منشآت وملاعب وتحويل بعضها إلى مراكز إيواء، إلى جانب مقتل عدد من الرياضيين خلال الحرب.
ويرى صحفيون ورياضيون فلسطينيون أن متابعة المنتخبات العربية في كأس العالم تحمل بعداً يتجاوز الرياضة، إذ تمنح سكان غزة فرصة للتشجيع والشعور بالانتماء للحياة خارج دائرة الحرب.
وبينما كانت كرة القدم قبل سنوات تجمع الغزيين حول الشاشات في الشوارع، أصبحت اليوم لحظات المشاهدة الجماعية النادرة تذكيراً بما فقده السكان، ومحاولة للحفاظ على مساحة فرح صغيرة وسط واقع النزوح والدمار.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع Mondoweiss أضغط هنا
