الساعة 00:00 م
الجمعة 26 يونيو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
3.94 جنيه إسترليني
4.21 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.39 يورو
2.98 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

الهدم كأداة للضم.. هكذا تُسرّع "إسرائيل" تغيير وجه الضفة الغربية

"حماس" تُحذر من مخططات تهجير غزة وتطالب بإفشالها

الصحة: شهيدان و15 إصابة خلال 24 ساعة بغزة

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب..

بين الشعارات والزنازين.. الأسرى الفلسطينيون يتجرعون مرار القيد والتعذيب

حجم الخط
تعذيب الأسرى.jpg
غزة ـ فاتن الحميدي ـ وكالة سند للأنباء

بينما يرفع العالم في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب شعارات الكرامة الإنسانية والعدالة وحقوق الإنسان، يقبع قرابة 9500 أسيرٍ فلسطيني خلف زنازين سجون الاحتلال الإسرائيلي في واقعٍ يناقض كل تلك العبارات الرنانة.

هناك، بعيداً عن عدسات الكاميرات وخطابات المناسبات الدولية، تتواصل شهادات الأسرى والمحررين عن صنوفٍ من التعذيب الجسدي والنفسي، والإهمال الطبي، والتجويع، والعزل، والانتهاكات التي تمس أبسط الحقوق التي كفلتها المواثيق الدولية للإنسان.

وبين الاحتفاء بالمبادئ والواقع الذي يعيشه الأسرى، تتسع الفجوة بين ما يُعلن من التزامات دولية وما يُرتكب من انتهاكات إسرائيلية بحق الأسرى خلف أبواب الزنازين المغلقة.

وأعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 12 كانون أول/ ديسمبر1997، يومَ 26 حزيران/ يونيو مِن كل عام يوماً عالمياً لمناهضة التعذيب ومساندة ضحاياه وتأهيلهم، وهو التاريخ نفسه الذي دخلت فيه اتفاقية مناهضة التعذيب حيز التنفيذ سنة 1987، فيما تتنصل "إسرائيل" من التزامها بالقانون والمواثيق الدولية، مُرتكبةً أفظع جرائم التعذيب بحق الأسرى الفلسطينيين.

ممارسة ممنهجة مدروسة..

وفي الوقت الذي تحيي فيه الأمم المتحدة هذه المناسبة، فإن ممارسة التعذيب بِشِقَّيْهِ، الجسدي والنفسي، بحق الأسرى والمعتقَلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ما زالت تشكّل سلوكاً دائماً، ونهجاً أساسياً، وممارسة مؤسسية ممنهجة ومدروسة، حتى أضحت جزءاً لا يتجزأ من معاملتهم اليومية في إطار سياسة رسمية.

ويؤكد المختص في شؤون الأسرى والمحررين عبد الناصر فروانة، أنَّ إدارة سجون الاحتلال استحدثت، خلال العقود الثلاثة التي سبقت حرب الإبادة على قطاع غزة، أساليب جديدة ومجموعة من الإجراءات التي أدت إلى ترسيخ الجريمة في تفاصيل الحياة اليومية للأسرى.

ويوضح "فروانة" لـ"وكالة سند للأنباء "، أنَّ جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" يؤدي الدور الأبرز فيها، ويُشاركه كل مَن يعمل في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ويَنضم إليهم أحياناً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأطباء والممرضون وغيرهم من العاملين في وزارة الصحة.

واستشهد 91 معتقلاً فلسطينياً منذ بدء حرب الإبادة، وهؤلاء هم فقط من أُعْلِنُوا وعُرفت أسماؤهم، بينما تُشير التقديرات إلى استشهاد آخرين لم تعلَن أسماؤهم، ولم تُكشف هوياتهم وأوضاع استشهادهم بعد. وفقاً لـ"فروانة".

صنوف مختلفة من العذاب ..

وتتنوع أساليب التعذيب بحق الأسرى الفلسطينيين بحسب ما ذكرها ضيفنا، بدءاً من الاعتداء الجسدي والضرب بأعقاب البنادق وخلع الأظافر والتحقيق العسكري الميداني العنيف، مروراً بالتجويع والتعطيش والحرمان من النوم والعلاج وقضاء الحاجة لمدد طويلة.

إضافة إلى إبقاء الأسرى لساعات طويلة تحت المطر شتاءً أو تحت الشمس الحارقة صيفاً وهم عراة أو شبه عراة، وإطلاق الكلاب لتنهش أجسادهم، والتحرش الجنسي والاغتصاب العنيف، وتهديدهم باعتقال أفراد أُسَرِهِمْ واغتصابهم أو قصفهم وقتلهم.

وليس انتهاءً بالعزل التام عن العالم الخارجي لفترات طويلة وانقطاع زيارات الأهل وصعوبة وصول المحامين إليهم، وعرض صور ومشاهد من دمار غزة أمام مرأى الأسرى لتثبيط معنوياتهم وبث مشاعر الإحباط في نفوسهم، إلى جانب أوضاع الاحتجاز المهينة والمذلة وأوضاعهم المعيشية الشديدة القسوة.

ويشدد "فروانة" أنَّ تلك الجرائم وغيرها فاقت كل تصوُر، وتجاوزت المفهوم التقليدي للتعذيب وتعريفاته، وهي ليست محصورة بين أسوار سجن سديه تيمان، "الذي تفوح منه رائحة الموت والجريمة المنظمة، أو داخل معسكرات الجيش، بل أيضاً يحدث ما هو شبيه لها في السجون الأُخرى الخاضعة لمسؤولية وزير الأمن المتطرف إيتمار بن غفير".

النصيب الأكبر لمعتقلي غزة .. 

ويلفت المختص "فروانة" النظر في حديثه لمراسلتنا إلى أنَّ ممارسات الاحتلال لا تقتصر على فئة دونَ غيرها، "وإن كان النصيب الأكبر منها لمعتقَلي غزة الذين هم عنوان المرحلة".

وينقل ضيفنا عن أسرى غزة حالهم بالقول: "من لم يُعتقل بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، فكأنه لم يُعتقل أبداً" في إشارة إلى شدة التعذيب وقسوته مقارنة بالفترات التي سبقت الحرب، لتشكّل مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر الفترة الأكثر دموية، والأخطر في تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة.

ويُبيِّن "فروانة" أنَّ التعذيب بحق المعتقَلين الفلسطينيين لا يهدف – كما هو معلَن إسرائيلياً – إلى انتزاع اعترافات ومعلومات، أو يمارَس في الحالات الخطِرة – "القنبلة الموقوتة" – فقط، بل أيضاً يهدف إلى الإذلال والإهانة وتدمير الإنسان الفلسطيني وتحطيم شخصيته الوطنية.

كذلك للنيل من عزيمة الفلسطيني وكسر إرادته، والتأثير في تفكيره وتغيير سلوكه ومعتقداته، وعن طريقه التأثير في محيطه الاجتماعي، وبذلك تحولت السجون إلى ساحات للتعذيب والقتل البطيء، ومدافن للأحياء. وفقاً لـ"فروانة".

تعتيم وغياب عن الإعلام ..

وتُصر دولة الاحتلال على استمرار إغلاق السجون أمام وسائل الإعلام المتعددة، وممثلي المؤسسات الدولية، بينما شكّلت صور المفرَج عنهم، والآثار الجسدية والنفسية التي خلّفتها عليهم وظهرت على وجوههم وتصرفاتهم وأجسادهم الهزيلة، أدلة حيّة على فظاعة التعذيب.

عامٌ كامل مقيدين الأيدي..

ويكشف الأسير المحرر محمد قاعود جانباً من المعاناة اليومية التي عاشها آلاف الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، مشيراً إلى أن العديد منهم أمضوا شهوراً طويلة، وبعضهم أكثر من عام كامل، وهم مقيدو الأيدي على مدار الساعة.

ويصف "قاعود" لـ" وكالة سند للأنباء" كيف يتحول القيد إلى أداة تعذيب مستمرة تتجاوز تقييد الحركة إلى سلب الإنسان قدرته على أداء أبسط احتياجاته اليومية؛ فمحاولة الإمساك بقطعة خبز تصبح مهمة شاقة بعد أن يفقد الأسير السيطرة الطبيعية على أصابعه نتيجة التقييد المستمر.

ويضيف:" عامٌ كامل ينهش الطفح الجلدي جسده، وتؤرقه الحكة والأوجاع، فيما تعجز يداه المقيدتان عن الوصول إلى موضع الألم، عامٌ كامل تصبح فيه أبسط حقوق الإنسان وخصوصياته معركة مستحيلة، فلا يستطيع الاعتناء بنفسه أو تنظيف جسده كما ينبغي، حتى في أكثر لحظاته حاجة إلى ذلك".

ولا تقتصر المعاناة على ساعات اليقظة، إذ يروي قاعود أن النوم نفسه يصبح مهمة شبه مستحيلة، حيث يضغط الحديد على المعصمين مع كل حركة أو التفاتة، ما يتسبب بآلام متكررة توقظ الأسير مراراً خلال الليل.

"هناك أوجاع يمكن للإنسان أن يتعايش معها، لكن أن تتحول يداك، اللتان خُلقتا للعمل والعطاء واحتضان من تحب، إلى مصدر دائم للوجع والعجز، فذلك ليس مجرد تقييد للحرية، بل شكل قاسٍ ومتواصل من أشكال التعذيب". بحسب المُحرر "قاعود".

شهادات مروعة ..

ونقلت هيئة شؤون الأسرى بعضاً من شهادات مروعة للمعتقلين الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال من قسم "ركيفت"، والتي اطلعت عليها "وكالة سند للأنباء".

وتكشف شهادات الأسرى عن المستوى الأخطر من سياسات التعذيب والتنكيل التي ما تزال منظومة السجون تفرضها بحق المعتقلين القابعين فيه.

ويؤكد المعتقلون في قسم "ركيفت" تعرضهم لجملة من السياسات والإجراءات القمعية، من أبرزها: الضرب والتنكيل اليومي، واستخدام سياسة كسر الأصابع كإحدى أدوات "العقاب" والتعذيب الممنهج، لا سيما بحق المعتقلين الخاضعين للمحاكمات.

كما يتعمد السجانون استخدام القيود كوسيلة تعذيب، عبر شدّها بصورة متعمدة، بما يؤدي إلى احتقان الدم في الأطراف والتسبب بآلام شديدة، اما خلال الخروج إلى "الفورة"، يُجبر المعتقلون على البقاء مكبّلي الأيدي، ويُمنعون من رفع رؤوسهم أو التحدث فيما بينهم.

ويحتجز في كل زنزانة أربعة أسرى؛ ثلاثة منهم ينامون على الأسرّة الحديدية، فيما يضطر الرابع للنوم على الأرض.

ولا تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل تشمل استمرار الشتائم والإهانات والتهديد بالضرب قبل الزيارات، في محاولة لترهيب المعتقلين ومنعهم من الحديث عن أوضاع السجن أو ظروفهم الصحية والمعيشية.

كما يُحرم المعتقلون من أداء الصلاة، وتنعدم مقومات النظافة العامة، إلى جانب الحرمان الممنهج من العلاج، وتتعمد إدارة السجن توزيع معجون الأسنان دون توفير فراشي أسنان، فيما توزع لفة محارم واحدة فقط لأربعة أسرى كل يومين.

وروى أحد المعتقلين أن المحققين تعمدوا ضربه على المناطق الحساسة من جسده بهدف انتزاع اعترافات منه، إضافة إلى إبقائه معصوب العينين طوال فترة التحقيق وتهديده بآلة حادة، وعقب نقله إلى قسم "ركيفت"، تعرض لكسر في أحد أصابعه.