في بلدة سنجل، شمال رام الله بالضفة الغربية، لم تعد الزراعة مجرد مهنة، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء.
هنا، يصبح الوصول إلى شجرة زيتون أو قطعة أرض إنجازًا ينتزعه المزارع من بين الحواجز والسواتر الترابية واعتداءات المستوطنين.
وبينما تتواصل محاولات عزل البلدة وخنقها ومصادرة أراضيها، يواصل الفلسطينيون حراثة حقولهم، مؤمنين بأن التمسك بالأرض هو السبيل الوحيد لحمايتها، وأن المحراث سيبقى شاهدًا على حقهم مهما اشتدت محاولات الاقتلاع.
الوصول إلى الأرض مقاومة
وخلال مشاركته في حراثة أراضي البلدة صباح اليوم السبت، أكد رئيس بلدية سنجل معتز طوافشة أن الوصول إلى الأراضي في سنجل أصبح بحد ذاته شكلًا من أشكال المقاومة، بعد أن حرم الاحتلال الإسرائيلي وإرهاب المستوطنين الأهالي من التواجد في أجزاء واسعة منها.
وقال طوافشة في تصريحات تابعتها "وكالة سند للأنباء": "لا يوجد شعور أجمل من أن تعود لأرضك، تعيد ترتيبها وحراثتها، وتزرعها وتستفيد منها وتلامس ترابها".
وتابع بالقول:"هاي الأرض أرضنا وعرضنا، ونحن مستمرون في حراثة جميع أراضيها والتواجد فيها رغم انتهاكات واعتداءات الاحتلال ومستوطنيه الذين يحاولون سرقة واغتصاب أراضينا… إحنا مكملين وموجودين".
حصار كامل يعزل البلدة
وفي الأول من يوليو الجاري، أحكمت قوات الاحتلال الإسرائيلي حصارها على بلدة سنجل شمال مدينة رام الله، بعد إغلاق آخر المنافذ المؤدية إليها، لتصبح البلدة معزولة بالكامل إثر إغلاق جميع مداخلها الرئيسية والفرعية والزراعية.
وقال رئيس البلدية، في تصريحات سابقة، إن قوات الاحتلال أغلقت جميع مداخل البلدة، ليرتفع عدد الطرق المغلقة إلى ستة مداخل رئيسية و16 طريقًا فرعيًا وزراعيًا.
وأضاف أن الإغلاق طال كذلك الطرق الزراعية المؤدية إلى ما تبقى من الأراضي الزراعية، ما حرم المزارعين من الوصول إلى حقولهم، وفاقم معاناة السكان في مختلف جوانب حياتهم اليومية.
بلدة مستهدفة بموقعها
ويأتي هذا التصعيد في ظل الاستهداف المتواصل لبلدة سنجل، التي تتمتع بموقع استراتيجي بمحاذاة شارع 60 الاستيطاني، وتحيط بها أربع مستوطنات وبؤر استيطانية، ما يجعلها هدفًا دائمًا لإجراءات الاحتلال.
وتتعرض البلدة لاعتداءات متكررة من المستوطنين، لا سيما في منطقتي غرابة وبطن الحلاوة، حيث ينفذ مستوطنون مسلحون عمليات تجريف للأراضي، واقتلاع الأشجار، وشق طرق استيطانية جديدة، في محاولة لفرض واقع استيطاني جديد على حساب الأراضي الفلسطينية.
وشهدت بلدة سنجل خلال عام 2026 تصعيدًا حادًا وخطيرًا في اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين وقوات الاحتلال، ضمن سياسة تسعى لتحويل البلدة إلى ما يشبه السجن المغلق، تمهيدًا لتهجير سكانها والاستيلاء على مواردها.
ففي منتصف مايو الماضي، شن عشرات المستوطنين المسلحين، بحماية جيش الاحتلال، هجومًا واسعًا استهدف منازل المواطنين غربي البلدة والمناطق المجاورة، ما أدى إلى وقوع إصابات متعددة بالرصاص الحي والضرب المبرح.
وفي يونيو الماضي، تجددت الهجمات المسلحة على أطراف البلدة، حيث تصدى الأهالي مباشرة للمستوطنين دفاعًا عن أراضيهم ومنازلهم في مواجهة محاولات الاقتحام والترهيب.
سرقة للمواشي… واستيلاء على الأرض
ولم تقتصر الاعتداءات على استهداف السكان، بل طالت مصادر رزقهم أيضًا، إذ أقدم مستوطنون، تحت غطاء عسكري من جيش الاحتلال، على السطو على ممتلكات المزارعين وسرقة مئات رؤوس الأغنام والمعدات الزراعية خلال اقتحام المناطق الرعوية والسهلية المحيطة بالبلدة.
وفي موازاة ذلك، واصل المستوطنون إقامة بؤر استيطانية جديدة في الجهة الشمالية ومحيط البلدة، في إطار سياسة تهدف إلى خنق التمدد العمراني الفلسطيني.
وتقلصت مساحة الأراضي المتاحة لأهالي سنجل إلى نحو سبعة آلاف دونم فقط، بعد أن كانت تبلغ 16 ألفًا و500 دونم، نتيجة المصادرات المتواصلة لصالح الاستيطان.
إغلاقات متكررة وذرائع أمنية
ويؤكد الأهالي أن الاحتلال يلجأ بصورة متكررة إلى إغلاق البلدة بذريعة اعتبارات أمنية، من بينها ادعاء رشق مركبات المستوطنين بالحجارة.
ويواصل المستوطنون، خاصة في منطقة غرابة شمال غرب البلدة، عربدتهم على الطرقات، عبر إغلاقها بمركباتهم ومنع المواطنين والمزارعين من الوصول إلى أراضيهم أو التنقل بحرية.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد هجمات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، والتي تتكرر، وفق مصادر فلسطينية، تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وبحسب معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يبلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية نحو 750 ألف مستوطن، يتوزعون على 141 مستوطنة و224 بؤرة استيطانية، بينهم نحو 250 ألف مستوطن يقيمون في 15 مستوطنة مقامة شرق القدس.
