الساعة 00:00 م
السبت 11 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.03 جنيه إسترليني
4.25 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.44 يورو
3.01 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

الصحفي خضر عبد العال يروي لـ "سند" تفاصيل عامٍ في جحيم سجون الاحتلال

إطلاق نار ونسف منازل.. "إسـرائيـل" تُواصل خرق "هُدنـة غزة"

"أنا هنا لأبحث عن مرض تموت فيه"..

الصحفي خضر عبد العال يروي لـ "سند" تفاصيل عامٍ في جحيم سجون الاحتلال

حجم الخط
الصحفي عبد العال.jpeg
غزة- أحلام عبد الله- وكالة سند للأنباء

لم يكن يحمل سوى أوراق تثبت ولادة طفلته خلال الحرب، خرج من منزله بحثًا عن شهادة ميلاد، لكنه وجد نفسه بعد ساعات داخل واحدة من أكثر منظومات الاعتقال قسوة، حيث تحول عام كامل إلى سلسلة متواصلة من التعذيب والجوع والمرض والإذلال.

الصحفي الفلسطيني خضر عبد العال لم يتخيل أن رحلته إلى مجمع الشفاء الطبي في 18 آذار/ مارس 2024 لاستكمال استخراج شهادة ميلاد طفلته ستنتهي باعتقاله، ليخرج بعد نحو عام بوزن لا يتجاوز 45 كيلوغرامًا، فيما بقيت عائلته خارج قطاع غزة، وبقي جزء من روحه، خلف أسوار السجون.

رحلة بدأت بشهادة ميلاد

يروي عبد العال، في شهادته لـ "وكالة سند للأنباء"، التفاصيل التي سبقت اعتقاله، مشيرًا إلى أن تأخر الإجراءات بين مستشفى الشفاء ومستشفى الحلو حال دون إنهاء معاملة شهادة ميلاد طفلته في اليوم ذاته، فقرر العودة إلى منزله واستكمالها صباح اليوم التالي.

وفي ذلك اليوم من شهر رمضان، التقى شقيقه أحمد عند مدخل المستشفى، فأخبره الأخير بأنه مدعو للإفطار مع أصدقائه داخل المجمع الطبي.

تناول الشقيقان الإفطار معاً، ثم قررا المبيت داخل المستشفى حتى ينهي خضر معاملته في الصباح.

لكن مع حلول الليل، حاصرت قوات الاحتلال مجمع الشفاء، وأمرت الموجودين بتسليم أنفسهم، لينزل خضر وشقيقه مع عشرات المدنيين، وتبدأ رحلة الاعتقال التي ستستمر قرابة عام.

تجريد وتعذيب

هناك، جرّد جنود الاحتلال المعتقلين من ملابسهم بالكامل، وعصبوا أعينهم وقيدوا أيديهم، قبل احتجازهم داخل العيادة الخارجية في المستشفى.

ويضيف عبد العال، أن نحو خمسين معتقلاً كانوا داخل غرفة واحدة، يسمعون باستمرار صرخات التعذيب القادمة من الخارج، فيما كان الجنود يقتحمون المكان بصورة متكررة منذ ال، 08:00 صباحًا وحتى 02:00 فجرًا، ينهالون عليهم بالضرب، ويسكبون عليهم المياه الباردة رغم برودة الطقس، ويستخدمون العصي الكهربائية في تعذيبهم.

وبعد ساعات طويلة، نُقل المعتقلون في شاحنة كبيرة إلى داخل الأراضي المحتلة، من دون أن يُسمح لهم بشرب الماء، رغم أنهم كانوا صائمين، ويقول: "فقدت الوعي داخل الشاحنة بسبب العطش والإجهاد وآثار الصيام".

"لم أتخيل أن أبقى حيّا.."

بعد ذلك، جرى نقل المعتقلين إلى حافلات صغيرة، حيث كان 20 أسيرًا يُحشرون داخل كل حافلة، بينما يقابلهم نحو ثلاثين جندياً.

ويصف عبد العال تلك الرحلة بأنها كانت من أصعب ما مر به، قائلًا: "منذ نزولنا من الشاحنة وحتى وصولنا إلى سجن سديه تيمان، كنا نتعرض للتعذيب كل دقيقة، لم أتخيل أن أنزل من الحافلة وأنا حي".

ويؤكد أن الضرب المتواصل تسبب له بكسور في أضلاع القفص الصدري، استمر يعاني آثارها ثلاثة أشهر.

"أنا هنا لأبحث عن مرض تموت فيه"

عند وصولهم إلى سجن "سديه تيمان"، أُجبر الأسرى على ارتداء ملابس السجن، ثم أُجلسوا في الساحة، بينما كان الجنود يدوسون على أجسادهم، وهناك فقد عبد العال وعيه للمرة الثانية.

ويقول إنه عندما أخبر طبيب السجن بأنه يعاني مرضاً جلدياً مزمناً، جاءه الرد الذي لا يزال عالقاً في ذاكرته حتى اليوم: "أنا لست هنا لأعالجك، أنا هنا لأبحث عن مرض تموت فيه".

بعد ذلك، نُقل إلى أول أقسام السجن، الذي كان الأسرى يطلقون عليه اسم "الجحيم"، حيث أمضى أربعة عشر يوماً وصفها بأنها كانت "حياة بلا حياة".

ويقول إن الأسير كان يُجبر على الجلوس معصوب العينين، مقيد اليدين، ممنوعاً من الصلاة أو الحديث أو النظر إلى الأعلى أو حتى التسبيح، ولا يُسمح له باستخدام الحمام سوى دقيقة واحدة يومياً، ويبقى على هذه الحال من الثامنة صباحاً حتى منتصف الليل.

أما الطعام، فلم يكن يتجاوز ثلاث وجبات لا تكفي لتشكيل وجبة واحدة، تتكون من قطعة جبن يخرج منها الدود، مع ثمرة خضار أو فاكهة متعفنة.

"موت أمام عيوننا"..

ويؤكد عبد العال أن التعذيب داخل السجن لم يكن يعرف حدودًا، ويستذكر أحد أكثر المشاهد إيلاماً، حين تعرض أسير في الأربعينيات من عمره للضرب المتواصل قرابة ساعة ونصف، قبل أن يحاول الوقوف مساءً أثناء "العدد"، لكنه سقط أرضاً.

ويقول إن الطبيب حضر بعد ذلك وأعلن وفاته، قبل أن يتوجه الجنود إلى ابنه، الذي كان محتجزاً في غرفة مجاورة، ويقولوا له: "لقد قتلنا أباك".

إصابات متكررة وجروح..

ولم يكن عبد العال بمنأى عن الإصابات المتكررة، إذ تعرض للضرب بالعصي والعصي الكهربائية، وأصيب بهبوط حاد في الضغط والنبض وارتفاع شديد في الحرارة، إضافة إلى انتفاخ كبير في قدمه.

ويقول إنه اكتشف لاحقًا أن السبب كان جرحًا صغيرًا أحدثته القيود المعدنية، لكن إهماله وعدم علاجه أدى إلى تسمم في الدم.

ويضيف أن كثرة وفيات الأسرى دفعت إدارة السجن إلى نقله إلى المستشفى خشية ردود الفعل الدولية.

لكن حتى داخل المستشفى، بقي مقيد اليدين والقدمين ومثبتًا بالسرير، بينما كان ثلاثة جنود يرافقونه داخل الغرفة، ويقول: "رأيت الجحيم هناك أيضًا".

ويشير إلى أن أحد الجنود ضربه بعصا غليظة على رأسه، ما تسبب بنزيف، وعندما سأله الطبيب عن سبب الإصابة أخفى الحقيقة خوفًا من مزيد من التعذيب، وأخبره بأنه ارتطم بالسرير.

وبعد خروجه من المستشفى، كان يتلقى "ضيف سند" مضادات حيوية عبر الوريد ثلاث مرات أسبوعياً، إلا أن الطريق القصير إلى العيادة كان يتحول في كل مرة إلى رحلة تعذيب بسبب اعتداء الجنود عليه.

كونك صحفيًا.. تهمة كافية

ويقول عبد العال إن مهنة الصحافة كانت وحدها سببًا كافيًا لاستهدافه وتعذيبه، ويكشف أنه تقاسم الزنزانة مع زميله الصحفي محمد عليوة، وأنهما كانا يتعاهدان على توثيق كل ما عاشاه عبر حلقات "بودكاست" إذا كُتب لهما الخروج من الأسر.

وفي الأيام الأولى من الاعتقال، كان خضر وشقيقه أحمد داخل الغرفة نفسها، لكنهما لم يكونا يستطيعان تبادل كلمة أو حتى نظرة.

وبعد نقلهما إلى غرفتين متجاورتين، كان كل واحد منهما يرفع صوته عند مناداة اسمه أثناء "العدد" ليطمئن الآخر بأنه لا يزال على قيد الحياة.

لكن ذلك انقطع لاحقًا، ليبدأ خضر رحلة بحث يومية عن أي خبر يطمئنه على شقيقه، عبر كل أسير جديد، وكل محامٍ، وكل من يُنقل بين السجون.

ويقول إنه خرج من الأسر في شباط/ فبراير 2025، بينما بقي أحمد معتقلًا حتى تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، وكان يعتقد حتى لحظة الإفراج عنه أن شقيقه سيخرج معه في الحافلة ذاتها.

حرية منقوصة

ويؤكد عبد العال أن لحظة الحرية لم تكن كما رسمها في خياله، فعندما خرج من السجن، كانت والدته وزوجته وبناته الثلاث وإخوته خارج قطاع غزة.

ويقول: "استقبلني أصدقائي أفضل استقبال، لكن فرحتي لم تكن كاملة، تركت خلفي أسرتي، وتركت أيضاً عشرات الأسرى الذين لا يعرف أحد مصيرهم.

وبعد الإفراج عنه، خضع عبد العال لعلاج طويل من مرض الجرب، فيما تفاقم مرضه الجلدي المزمن نتيجة انقطاع العلاج داخل قطاع غزة، بعدما كان يتلقى علاجه سابقاً في مصر.

أما نفسياً، فيقول إن مشاهد التعذيب ما تزال تطارده، إلى جانب صورة الأسير الذي استشهد إلى جواره، ووجوه الأسرى الذين تركهم خلف القضبان.

وعن التغير الكبير الذي يطرأ على ملامح الأسرى بعد الاعتقال، يجيب قائلًا: "الاعتقال هو الذهاب إلى الموت ثم العودة منه".

ويضيف أنه دخل السجن بوزن 70 كيلوغراماً، وغادره بوزن 45 كيلوغرامًا فقط، مؤكدًا أن الحرمان من الطعام والدواء وأبسط مقومات الحياة كفيل بتغيير ملامح أي إنسان، مستشهدًا بما حدث لشقيقه أحمد وللأسير مجاهد مفلح.

ورغم كل ما عاشه، يقول عبد العال إنه لا يزال يتمسك بالأمل؛ أمل لقاء والدته، ولمّ شمل عائلته، وانتهاء رحلة الفراق.

ويختتم رسالته للعالم قائلاً: "نحن أناس مظلومون، نستحق الحياة ونحب الحياة، لكننا نعيش في عالم ظالم، صامت، فيما تستمر إبادة شعب كامل للعام الثالث".

الأسرى المغيبون..

ويتراوح عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال حتى منتصف عام 2026 يتراوح بين 9400 و9500 أسير، بينهم نحو 90 أسيرة و360 طفلًا و3324 معتقلًا إداريًا، وفق توثيق لمكت إعلام الأسرى.

وأكد المكتب، أن قوات الاحتلال نفذت أكثر من 21 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية والقدس منذ أكتوبر 2023، دون أن تشمل هذه الإحصاءات آلاف معتقلي قطاع غزة الذين خضعوا لمنظومة احتجاز عسكرية منفصلة اتسمت بالإخفاء القسري وغياب الشفافية.

وكشف أن عدد أسرى غزة المصنفين بموجب قانون "المقاتل غير الشرعي" بلغ 1316 أسيرًا حتى يونيو 2026، فيما وثق اعتقال 2249 فلسطينيًا من القطاع.

ووثق التقرير استشهاد 52 أسيرًا من غزة معلومي الهوية داخل السجون والمعسكرات، مع استمرار احتجاز عدد من الجثامين وإخفاء مصير آخرين.