لم تصف الأسيرة المحررة إسراء أشرف خمايسة لحظة خروجها من سجون الاحتلال بأنها مجرد تحرر، بل اختارت وصفاً يلخص تسعة أشهر من القهر والعزل والحرمان، قائلة: "إحنا انولدنا من جديد... كنا عايشين في قبر".
كلمات قليلة حملت ثقل تجربة كاملة عاشتها خلف القضبان، حيث لم يعد الزمن يُقاس بالساعات، بل بمحاولات سرقة لحظة من ضوء الشمس، أو تمشيط الشعر بفرشاة غابت عنها طويلاً، أو انتظار حضن طفل بقي خارج الأسوار.
خرجت إسراء من سجن الدامون حاملة رسالة نحو مئة أسيرة فلسطينّية ما زلن يعشن الظروف ذاتها، رسالة اختصرتها بعبارة واحدة: "أنقذونا قبل أن تفقدونا".
تسعة أشهر خلف القضبان
أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن الأسيرة والمصورة الصحفية الفلسطينية إسراء أشرف خمايسة (30 عاماً)، من بلدة تفوح بمحافظة الخليل، بعد تسعة أشهر متواصلة أمضتها في سجن الدامون، تعرضت خلالها للتحقيق والعزل الانفرادي وظروف احتجاز قاسية، قبل أن تعود إلى عائلتها حاملة آثار تجربة وصفتها بأنها الأقسى في حياتها.
وُلدت إسراء في الثاني من يوليو/تموز 1996، وتعمل مصورة فوتوغرافية ومصممة جرافيك في الخليل، قبل أن تعتقلها قوات الاحتلال فجر 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عقب اقتحام قوة عسكرية كبيرة منزل عائلتها في بلدة تفوح عند الساعة الثالثة وعشرين دقيقة فجراً.
وبحسب ملفها، وجه الاحتلال إليها تهمة "التحريض" عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهي تهمة تستخدمها سلطات الاحتلال على نطاق واسع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لملاحقة الفلسطينيين بسبب منشوراتهم ونشاطهم الرقمي.
ويروي والد إسراء تفاصيل لحظة الاعتقال قائلاً إن جنود الاحتلال اقتحموا المنزل بشكل مفاجئ، وطالبوا بها وبهاتفها المحمول، قبل أن يكسروا الباب ويفجروه، فيما وجه أحد الجنود سلاحه نحوه مباشرة.
ويضيف خلال حديثه لـ"وكالة سند للأنباء"، أن حفيده، نجل إسراء، كان نائماً أثناء الاقتحام، وحين حاول أحد الجنود إيقاظه أبلغه بأن الطفل خضع لأربع عمليات جراحية في أذنه، إلا أن الجندي أخرج قنبلة صوتية وكان يستعد لإلقائها داخل المنزل، قبل أن يسمح له بإيقاظ الطفل بنفسه، لكنه فجّر القنبلة عند باب المنزل أثناء انسحابه.
ويؤكد والدها أن العائلة عاشت تسعة أشهر كاملة دون معرفة أي تفاصيل عن وضعها داخل السجن، قائلاً: "تسعة شهور وإحنا ما بنعرف عنها أي خبر".
طلعنا من القبر
تقول إسراء في حديث خاص لـ"وكالة سند للأنباء" إن السجن لم يكن مجرد مكان للاحتجاز، بل مساحة ألغت أبسط تفاصيل الحياة اليومية، مضيفة: "إحنا انولدنا من جديد، كنا عايشين في قبر، ما بنسمع أخبار عن العالم، حتى إنك ما بتعرفي كم الساعة".
وتوضح أنها كانت تحاول رؤية الشمس، لكن ما كان يحيط بها هو القضبان والشبك فقط، دون أي وسيلة تساعدها على معرفة الوقت أو الإحساس بتغير ساعات اليوم.
وتصف واقع الأسيرات بقولها إن السجن لم يكن يحمل أي مظهر من مظاهر الحياة أو الأنوثة، موضحة أن كل شيء كان يطغى عليه اللونان الرمادي والبني، حتى ملابس الصلاة التي كانت تحمل ألواناً مختلفة صادرتها إدارة السجن واستبدلتها بملابس الشاباص البنية.
وتروي أن الأسيرات كن يصنعن من قطع القماش ربطات للشعر أو "فيونكات"، لكن السجانات كن يصادرنها بحجة أنها ممنوعة، مضيفة: "كان نفسي أمشط شعري بفرشاية... تسعة شهور ما حطيت فرشاية بشعري".
وتتابع أنها حين رأت وجهها في المرآة بعد الإفراج عنها صُدمت بحجم التغيير الذي طرأ عليه، مضيفة: "لما حضنت ابني أول ما طلعت قلتله... أنا طلعت من القبر".
وتشير إلى أن جنود الاحتلال كانوا يتعاملون مع الأسيرات وكأنهن غير موجودات، وأن الحصول على حقوق أساسية، مثل العلاج أو تحسين الطعام أو الحصول على الحجاب والملابس الصيفية، كان يتطلب تقديم شكاوى واللجوء إلى المحاكم.
وعن الطعام، تقول إسراء إن الوجبات كانت لا تكفي طفلاً صغيراً، موضحة أنها كانت تتكون من صحن صغير فيه ثلاث ملاعق من الأرز، وكمية قليلة من الخضار الفاسدة، وأقل من 200 ملليلتر من الشوربة، مضيفة: "لو حطيت هالأكل لولد صغير ما راح يرضى ياكله".
وتكشف أن السجانات كن يقتحمن الغرف في منتصف الليل لأسباب بسيطة، مشيرة إلى أنهن تعرضن للقمع بسبب سبحة صنعنها من القماش، بحجة أنها قد تتحول إلى حبل أو أداة حادة، كما اقتحمت قوات القمع إحدى الغرف المجاورة بعدما عثرت على قطعة كرتون كانت الأسيرات يستخدمنها لتخفيف حرارة الجو.
وتوضح أن الغرفة الواحدة كانت تضم بين 12 و14 أسيرة، وأن إدارة السجن عاقبتهن أسبوعاً ثم جددت العقوبة لأسبوعين إضافيين دون سبب واضح، قبل أن تبلغهن بأن السبب هو العثور على حبة دواء أسفل إحدى الخزائن.
وتقول إن الأسيرات أصبحن لا يطلبن من الحياة سوى العودة إلى ذويهن، مضيفة أن من حولها بعد الإفراج كانوا يسألونها عما ترغب في تناوله، لكنها كانت تجيب: "ما بدي إشي من الدنيا"، مؤكدة أن مطلب جميع الأسيرات هو الحرية فقط.
وتضيف أن كل أسيرة تركتها خلفها تحمل حلماً مؤجلاً، فمنهن من تنتظر العودة إلى أطفالها، وأخريات إلى آبائهن وأمهاتهن أو جامعاتهن وأعمالهن، قائلة: "تركت خلفي 90 أسيرة، كل وحدة إلها عيلة وحلم وبدها ترجع ضحكتها لوجهها".
أنقذونا قبل أن تفقدونا
غادرت إسراء سجن الدامون وهي تحمل رسالة جماعية باسم الأسيرات، اللواتي يقدر عددهن بنحو مئة أسيرة، وجاءت الرسالة مختصرة لكنها تحمل دلالات كبيرة: "أنقذونا قبل أن تفقدونا".
وتتطابق شهادة إسراء مع تقارير صادرة عن مكتب إعلام الأسرى وهيئات شؤون الأسرى، تحدثت عن تصعيد خطير داخل سجن الدامون، يشمل سياسة العزل الدوري التي تطال نحو ثلاث أسيرات أسبوعياً، بهدف فرض مزيد من الضغط النفسي والعقاب الجماعي.
وتشير المعطيات الحقوقية إلى وجود أسيرات يعانين من أمراض خطيرة، من بينهن المصابتان بالسرطان فداء عساف وسهير زعاقيق، إضافة إلى أسيرات حوامل، منهن دانا جودة ومنار كراجة، وسط اتهامات باستمرار الإهمال الطبي بحقهن.
وتؤكد المؤسسات الحقوقية استمرار ظروف الاحتجاز القاسية داخل السجن، من خلال رداءة الطعام، والاكتظاظ داخل الغرف، والحرمان من مستلزمات النظافة الشخصية، والتفتيش العاري المفاجئ.
وتعاني الأسيرات من اقتحام الأقسام باستخدام الكلاب البوليسية والقنابل الصوتية، وهي الممارسات التي تقول إسراء إنها عاشتها خلال أشهر اعتقالها، قبل أن تخرج من السجن تاركة خلفها عشرات الأسيرات اللواتي ما زلن ينتظرن لحظة الحرية.
