في قطاع غزة، قد يتوقف حدّاد عن العمل لأن سيخ اللحام نفد، ويعجز نجّار عن إنجاز سرير لعائلة نازحة بسبب فقدان المسامير، فيما تبقى سيارة معطلة لغياب زيت المحرك أو قطعة صيانة بسيطة، تفاصيل صغيرة في حجمها وثمنها الطبيعي، لكنها باتت اليوم قادرة على إغلاق ورش كاملة وقطع مصدر رزق عشرات العائلات.
لا تكشف أسواق غزة عن أزمة غلاء أو نقص في السلع الاستهلاكية فحسب، بل عن خلل اقتصادي أعمق يضرب الحلقة الأولى في دورة الإنتاج؛ إذ تختفي المواد الخام والأدوات الوسيطة ومستلزمات التشغيل اليومية التي تعتمد عليها عشرات المهن والحرف.
قطاعات كاملة تتوقف
يقول الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر في تصريحات تابعتها "وكالة سند للأنباء"، إن ما تكشفه أسواق قطاع غزة اليوم يتجاوز مفهوم نقص السلع أو ارتفاع الأسعار.
وأوضح "أبو قمر" أن جوهر المشكلة يتمثل في فقدان مستلزمات إنتاج صغيرة، تشكل الأساس الذي تعتمد عليه عشرات المهن والأنشطة الاقتصادية.
وأكد أنه عندما يختفي سيخ اللحام أو المسمار أو زيت السيارات، تتوقف ورش الحدادة والسباكة والنجارة، وتتراجع قدرة السوق على الإنتاج رغم استمرار الحاجة إلى هذه الخدمات.
ويعكس هذا الواقع، وفق أبو قمر، اختلالًا واضحًا في سلاسل الإمداد، إذ تتوافر بعض السلع الاستهلاكية في الأسواق، بينما تغيب المواد الخام والأدوات الوسيطة اللازمة لتشغيل الورش والمصانع.
وتشير البيانات الواردة من جهاز الإحصاء الفلسطيني، إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة بنسبة 84%، فيما تعرض قطاع الإنشاءات لانهيار بلغ 99%، والصناعة 94%، والزراعة 92%.
وفي موازاة ذلك، تجاوزت معدلات البطالة مستويات تتراوح بين 77% و80%، فيما تخطت معدلات الفقر حاجز 95%، وباتت غالبية ساحقة من الأسر تعتمد على المساعدات الإغاثية الشحيحة مصدرًا أساسيًا للبقاء.
أدوات الورش سلعاً نادرة
في الظروف الطبيعية، لا تلفت البراغي أو أحجار قص الحديد أو مستلزمات الصيانة الصغيرة انتباه المستهلك؛ فهي مواد زهيدة ومتوافرة باستمرار.
لكن الحرب والحصار وتشوه سلاسل التوريد حوّلتها في غزة، إلى سلع نادرة يبحث عنها الحرفيون أيامًا وأسابيع.
وتشير شهادات حرفيين وتقارير ميدانية، إلى أن سعر حجر قص الحديد، الذي كان يباع بنحو 5 شواكل، تجاوز 60 شيكلًا في ظل الشح، فيما وصل سعر البرغي الصغير إلى نحو نصف شيكل للقطعة الواحدة.
أما الطاقة، التي تمثل أساس تشغيل أي ورشة أو منشأة إنتاجية، فتحولت إلى عبء آخر؛ إذ ارتفعت كلفة الكيلوواط التجاري من نحو نصف شيكل في الظروف الطبيعية إلى قرابة 33 شيكلًا.
وأكد "أبو قمر" أن أثر ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج لا يقتصر على أصحاب المهن، إذ تنتقل الكلفة تدريجيًا إلى أسعار خدمات الصيانة والبناء والنقل، ما يضاعف الأعباء على المواطنين.
وتزداد الأزمة عمقًا مع محدودية تدفق البضائع والمواد الخام إلى قطاع غزة، إذ تشير تقديرات وتقارير ميدانية إلى أن متوسط الشاحنات الداخلة في بعض الفترات لم يتجاوز نحو 157 شاحنة يوميًا، أي أقل من 30% من الاحتياج الفعلي المقدر.
وسبق لـ "أبو قمر" أن حذر في تحليلات اقتصادية من تحول اقتصاد غزة إلى اقتصاد مغلق وتراجعي، معتبرًا أن حظر أو تقييد المواد الخام، حتى الخفيفة منها، يعطل قدرة القطاع الخاص على استئناف نشاطه ويعمق الاعتماد على المساعدات.
نبش الركام
ويقول إن استمرار نقص المواد الخام يؤدي إلى توسع سوق الأدوات المستعملة والبدائل منخفضة الجودة، الأمر الذي يقلل كفاءة الإنتاج ويرفع تكاليف الصيانة مستقبلًا.
ويشدد على أن التعافي الاقتصادي يبدأ بإعادة تدفق مستلزمات الإنتاج اليومية التي تضمن استمرار عمل الورش والحرف، قبل الحديث عن إدخال المعدات الثقيلة أو تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار.
ويضيف أن هذه السلع الصغيرة تمثل الحلقة الأولى في دورة الاقتصاد، وغيابها يؤدي إلى تعطيل قطاعات كاملة ويطيل أمد الركود ويؤخر استعادة النشاط الاقتصادي بصورة طبيعية.
