مع اقتراب موعد الانتخابات العامة الإسرائيلية، تتسابق الأحزاب والساسة والوزراء الإسرائيليون لخطب ودّ الناخبين عبر إبداء مستويات أعلى من التطرف والوحشية ضد الفلسطينيين، كما فعل الوزير المتطرف إيتمار بن غفير عبر سلسلة من الإجراءات والقوانين الموجهة ضد الأسرى.
ومع اشتداد السباق الانتخابي، أعاد "بن غفير" في يوليو/ تموز الجاري إحياء مخطط سابق له لإقامة سجن محاط بالتماسيح، إمعانًا في الوحشية والتطرف.
وهذا المقترح ليس جديدًا، فقد طرحه ذات الوزير لأول مرة خلال اجتماع عُقد في ديسمبر/ كانون الأول 2025 الماضي مع مفوض مصلحة السجون الإسرائيلية كوبي يعقوبي، واقترح حينها إنشاء سجن أمني تحيط به التماسيح لمنع محاولات الهرب.
وبينما قوبل المقترح في البداية بسخرية بعض كبار مسؤولي مصلحة السجون، اصطدمت الفكرة بمعارضة سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية، الأمر الذي دفع "بن غفير" للاستعانة بزميلته وزيرة البيئة عيديت سيلمان لتجاوز هذه العقبة القانونية.
وفي منتصف يوليو/ تموز الجاري، أجرت "سيلمان" تعديلًا على تعريف التماسيح في القانون لتُصنف ضمن فئة "الحيوانات البرية المربّاة" بدلًا من "الحيوانات البرية"، وهو ما يسمح بنقلها إلى محيط سجن النقب الصحراوي "كتسيعوت".
وبموجب هذا القرار، يمكن لمصلحة السجون الإسرائيلية الاحتفاظ بالتماسيح ونشرها حول السجن الأمني المخصص.
ووفق القناة 13 الإسرائيلية، فإن تكلفة التمساح الصغير تُقدر بنحو 8 آلاف دولار، بينما يصل سعر التمساح البالغ إلى نحو 20 ألف دولار.
وعقب التعديل القانوني، نشر "بن غفير" على حسابه في منصة "تيليغرام" صورة له إلى جانب تمساح، مرفقة بعبارة "الكابوس الجديد للمخربين، يتعاون الوزيران بن غفير وسيلمان لإحاطة السجون بالتماسيح".
وفي غمرة فرحته بهذا التعديل، نسي "بن غفير" أن الأسرى داخل السجون منقطعون عن العالم الخارجي وغير متصلين بشبكة الانترنت، فنشر تعليقًا موجهًا للأسرى يقول فيه: "أيها المخرب (...)، إذا كنت تفكر في محاولة الهرب، فأعد التفكير".
فكرة قديمة متجددة
الصحفي المختص بالشأن الإسرائيلي محمد علان دراغمة، يبين أن هذه الفكرة طُرحت منذ فترة، ولم تكن مرتبطة بالانتخابات، وهي من بنات أفكار بن غفير ضمن جهوده لفرض مزيد من المضايقات والعقوبات ضد الأسرى.
ويوضح دراغمة لـ "وكالة سند للأنباء" أنه خلال النقاشات المصاحبة للفكرة، طرح سجن "كتسيعوت" لتجريب الفكرة قبل تعميمها على سجون أخرى، وكان هناك نقاش حول مدى قانونية استخدام تمساح النيل لهذا الغرض، وهو صنف من الحيوانات التي تمنع القوانين الإسرائيلية استخدامه لغير أغراض الدراسة والأبحاث.
ويضيف أن الوزيرة "سيلمان" تجاهلت اعتراضات المستشارة القانونية للوزارة وسلطة الطبيعة، وأصرت على موقفها بإصدار قرار رسمي يعتبر تمساح النيل حيوانًا يمكن الاعتناء به واستخدامه من جهات أمنية.
ويرى دراغمة أن "سيلمان" و"بن غفير"، وإن كانا من حزبين مختلفين، إلا أنهما عضوان في ائتلاف حكومي واحد، وهذا التعاون بينهما يأتي استكمالًا لبرنامج الحكومة الإسرائيلية بالتضييق على الأسرى.
نهج سادي وعنصري
ومنذ توليه مهام منصبه وزيرًا للأمن القومي، فرض إيتمار بن غفير العديد من الإجراءات ضد الأسرى، والتي لا يترك مناسبة إلا ويُفاخر بها.
ومن تلك الإجراءات: التجويع، وامتهان الكرامة والإذلال، وتصنيف معتقلي قطاع غزة كـ "مقاتلين غير شرعيين"، كما تفاقمت وتيرة التعذيب والتنكيل في عهده والتي أفضت، بجانب الإهمال الطبي، لاستشهاد أكثر من 90 أسيرًا، وتوّجت الإجراءات بتشريع قانون إعدام الأسرى.
ويرى المختص بشؤون الأسرى، حسن عبد ربه، أن فكرة سجن التماسيح تعبر عن سادية الاحتلال وإجرامه وحقده وعنصريته في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين.
ولفت عبد ربه، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن هذه الفكرة ليست جديدة وليست وليدة لحظة، وإنما هي استمرار لنهج يتبعه بن غفير منذ سنوات.
فبعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عمد "بن غفير" إلى تضييق الخناق على الأسرى، عبر جملة من التدابير والإجراءات التي مسّت كل تفاصيل وشروط الحياة الاعتقالية.
ويقول "ضيف سند" إن بن غفير لم يكتف بكل تلك الإجراءات، فبادر إلى هذه الفكرة التي تدخل في سياق التجاذبات والتنافس الانتخابي على أصوات اليمين الإسرائيلي.
ويشير إلى أنه وعشية الانتخابات الإسرائيلية التي ستجرى بعد 3 أشهر فقط، يحاول "بن غفير" أن يسابق الزمن لوضع المزيد من العقبات بوجه الحركة الأسيرة.
ويعتبر أن "بن غفير" يهدف من هذه الفكرة المستوحاة من أحد الأفلام السينمائية الأجنبية، إلى الظهور في الشارع الإسرائيلي وكأنه الأكثر حرصًا على قمع الأسرى والتنكيل بهم وتحويل حياتهم إلى جحيم.
استعراض عديم القيمة
ويؤكد الحقوقي الفلسطيني، أن هذه الفكرة لا قيمة لها على الإطلاق من الناحية الفعلية، فالوسائل التكنولوجية المتقدمة وكاميرات المراقبة والبوابات الإلكترونية في السجون تجعل فرصة الهرب تكاد تكون شبه مستحيلة.
ولفت النظر إلى أن مصلحة السجون اتخذت الكثير من الوسائل والتدابير لتشديد الرقابة على الأسرى في السنوات الأخيرة، ومنذ عملية نفق الحرية عام 2021 لم تسجل أي محاولة جديدة.
وفي المقابل، يرى "عبد ربه" وجود فرصة لفضح العقلية الإجرامية والعنصرية التي أخرجت هذه الفكرة وتحاول تطبيقها.
ويضيف: "يمكن توظيف هذه القضية وغيرها من القضايا، بحيث تصبح أدوات لفعل إعلامي ودبلوماسي وحراك دولي، للتأثير في الرأي العام العالمي بما يخدم عدالة قضية الأسرى والدفاع عن حقوقهم في وجه التغول والإجرام الإسرائيلي".
ويُعتقل في سجون الاحتلال نحو 9400 أسير حتى بداية يوليو/ تموز الجاري، بينهم 96 أسيرة وأكثر من 350 طفلا، إضافة إلى 3244 معتقلا إداريا، في حين بلغ عدد المعتقلين الذين يصنفهم الاحتلال تحت مسمى "المقاتلين غير الشرعيين" 1320 معتقلًا.
وتؤكد المؤسسات المختصة بشؤون الأسرى أن المعتقلين يواجهون أوضاعا إنسانية صعبة، تتضمن التعذيب والتجويع والإهمال الطبي والعزل الانفرادي، وهو ما أدى إلى استشهاد نحو 90 منهم داخل السجون منذ بدء حرب الإبادة.
