الساعة 00:00 م
الجمعة 24 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.33 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.5 يورو
3.07 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

المطران حنا: الاعتداءات في الأقصى وجه آخر لحرب الإبادة الإسرائيلية

الطيبي: الاعتداء على الأسرى والأقصى تحوّل لأداة انتخابية

خاطر: اقتحامات الأقصى تكريس لاحتلال دائم

الأب يوليو: ما يجري في الأقصى محاولة لتغيير واقع القدس الديني

من رسالة على فراش الموت... إلى وشاح التفوق..

"نسيبة" حققت وصية أمها بعد تسع سنوات من الغياب

حجم الخط
نسيبة
غزة - وكالة سند للأنباء

في يوم إعلان نتائج الثانوية العامة، لم يكن أكثر ما لفت الأنظار في الطالبة نسيبة حازم أحمد الشعراوي، الحاصلة على معدل 99.4%، هو تفوقها الدراسي، بل الوشاح الذي التف حول كتفيها.

لم يكن وشاحًا يحمل اسم مدرسة أو عبارة تهنئة، بل حمل كلمات كتبتها أمها بيديها قبل وفاتها عام 2017، وهي على فراش الموت:

"إلى ملاكي الصغير... أميرتي، أريدك أن تكوني خير البشر."

كانت نسيبة يومها طفلة صغيرة، تقف أمام والدتها دون أن تستوعب ما يحدث.

رأت أمها ترحل أمام عينيها، لكنها لم تكن تعرف بعد معنى أن يغيب الإنسان إلى الأبد، أو أن هناك وداعًا لا يعقبه لقاء.

كبرت نسيبة، وكبر معها الفراغ؛ و في كل مرحلة من حياتها كانت تشعر أن هناك مقعدًا ناقصًا، وحضنًا غائبًا، وصوتًا كانت تحتاجه أكثر من أي وقت مضى.

كانت تتساءل في صمت كيف كانت أمها ستفرح بنجاحاتها، وكيف كانت ستربت على كتفها كلما أثقلتها الحياة،ثم جاءت الحرب لتضيف فصولًا أخرى من الألم.

تقول نسيبة لـ"وكالة سند للأنباء": "نزحت مع عائلتي بعيدا عن أمي وأبي، ووجدت نفسي أدرس داخل خيمة لا تشبه غرفتي التي حفظت فيها أحلامي ودفاتري".

كانت تراجع دروسها على ضوءٍ شحيح، وسط الخوف وأصوات القصف، بينما كان كل ما حولها يتبدل.

وبعدها هُدم منزل العائلة، ولم يسقط معه الحجر فقط، بل سقطت ذكريات السنوات التي عاشت فيها مع والدتها.

ولم يتوقف الفقد عند هذا الحد؛ فقد استُشهد عمها محمد، الرجل الذي كان يردد لها دائمًا: "يوم نجاحك سأحتفل بك كما تُزف العروس."

تقول نسيبة إن رحيله جعلها تفهم معنى الفقد أكثر، وكأن الحياة كانت تعلمها، عامًا بعد عام، كيف يعيش الإنسان وهو يحمل غياب أحبته في قلبه.

لكن وسط كل هذا الخراب، بقيت هناك أمانة صغيرة لم تسمح لها أن تضيع.

ورقة قديمة، احتفظت بها كما لو أنها كنزها الوحيد؛ كلمات كتبتها أمها وهي تودع الحياة، وأوصتها أن تحفظها مهما حدث.

كانت تعود إليها كلما شعرت بالتعب، وتقرأها كلما خافت أن تنكسر، فتجد فيها أمًا ما زالت تربيها رغم الغياب.

تقول نسيبة إن والدتها أخبرتها يومًا: "يا نسيبة أريدك أن تكوني عظيمة(..)قد لا أعيش لأرى تلك اللحظة، لكن احفظي كلماتي."

واليوم، وبعد تسع سنوات على رحيلها، اختارت نسيبة ألا تكتفي بتحقيق الوصية، بل أن تحملها على كتفيها أمام الجميع، لتقول إن الأم التي غابت بجسدها، بقيت حاضرة في كل خطوة من طريقها.

وبصوت تختلط فيه الفرحة بالحنين، توجه نسيبة رسالتها إلى والدتها:

"يا أمي نجحت كما تمنيتِ لي دائمًا ما زلت أحفظ كلماتك، وأحاول كل يوم أن أكون كما أردتِ: إنسانة صالحة قبل أن أكون متفوقة؛ ليتك كنت هنا لتريني، لكنني مؤمنة أنك ترينني الآن."

ثم تتوقف قليلًا قبل أن تستحضر عمها محمد الذي لم يمهله القدر ليشهد يومها المنتظر، وتقول: "يا عمي وعدتني أن تزفني في يوم نجاحي كما تُزف العروس، لكنك رحلت قبل أن يأتي ذلك اليوم".

تكمل نسيبة" نجحت ووفيت بوعدي، أما وعدك فسيبقى أجمل ذكرى أحملها في قلبي."

هكذا، لم يكن معدل 99.4% مجرد رقم في كشف العلامات، بل نهاية رحلة طويلة من اليتم، والنزوح، والهدم، والفقد؛ بل وبداية وفاء لوصية أم كتبت كلماتها الأخيرة وهي تغادر الحياة، فكانت تلك الكلمات هي النور الذي قاد ابنتها حتى وصلت إلى منصة التفوق.