الساعة 00:00 م
الأحد 26 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.06 جنيه إسترليني
4.3 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.05 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

اليوم الـ 290 للهدنة.. شهيدان في 9 خروقات إسرائيلية بقطاع غزة

مقاومة الجدار: الاستيطان تحوّل لذراع رسمية للحكومة الإسرائيلية

"كلما كتبتُ (طرف أيمن) بكيت"..

يارا الفران تهزم الفقد والحرب وتتوج من أوائل الوطن

حجم الخط
يارا الفران
غزة - فاتن الحميدي - وكالة سند للأنباء

لم تكن معركة يارا محمد الفران مع أسئلة الثانوية العامة وحدها، بل كانت معركة يومية مع الحرب، والنزوح، والفقد، والحنين، كانت تفتح بعضًا من كتب ممزقة، ودروسًا إلكترونية، فيما كان قلبها مثقلًا بصور منزلها المدمر، وذكريات أخيها أيمن وأختها بيسان اللذين استشهدا في قصف الاحتلال لمنزل العائلة عقب اختراق التهدئة في رمضان عام 2024.

وبين دمعةٍ تخفيها ودرسٍ تتمسك به، كتبت يارا واحدة من أكثر قصص التفوق إلهاماً في قطاع غزة، لتتوج من أوائل الوطن في الفرع العلمي بمعدل 99.6%.

"اُدرُس بعين وعيِّط بعين"

نزحت يارا مع عائلتها من مدينة حمد إلى مخيم البريج وسط قطاع غزة، بعدما قلبت الحرب تفاصيل حياتها رأساً على عقب، ورغم تكرار النزوح وفقدان المنزل مرتين، لم تتخلَّ عن حلمها الذي رافقها منذ طفولتها.

تقول يارا: "من وأنا صغيرة كنت متخيلة إنه أول ما أوصل توجيهي، حيعملوا معي لقاء صحفي، وأكون من أوائل الوطن"، حلمٌ ظل راسخاً في قلبها، منحها القوة لتواصل الطريق رغم قسوته.

وتضيف لمراسلة "وكالة سند للأنباء" في اتصال هاتفي: "رغم كل الفقد اللي دخل قلبي وكل الصعوبات، إلا إني كنت المثال الحرفي لجملة: (ادرس بعين وعيط بعين)، كان عندي يقين بالله إنه حيوفقني".

لحظة النتيجة..

وعلى خلاف ما تخيلته طوال سنوات الدراسة، لم تعش "يارا" دقائق الترقب الأخيرة أمام شاشة المؤتمر الصحفي لإعلان نتائج الثانوية العامة، فقد باغتتها النتيجة برسالة وصلت إلى هاتفها المحمول قبل أن تتمكن من تشغيل البث ومتابعة الإعلان الرسمي.

وبينما كان الطلبة ينتظرون سماع أسمائهم، كانت هي قد عرفت بالفعل أنها حققت حلم عمرها، لتتحول لحظة مفاجئة إلى فرحة غامرة لم تستوعبها في ثوانيها الأولى.

يارا.jpg

شريكا النجاح..

وبسبب ظروف النزوح المستمرة، اعتمدت يارا على الدروس الخصوصية الإلكترونية، وهو ما أتاح لها العودة إلى المحاضرات المسجلة في أي وقت، رتبت وقتها وفق جدول يومي، وحاولت الحفاظ على الحد الأدنى من الدراسة مهما كانت الظروف.

وكانت والدتها شريكةً حقيقية في رحلة التفوق، تحاول أن تمنحها الأمل وسط الظروف القاسية، إلى جانب والدها الذي كان السند الأول لها.

وتتذكر يارا أن من أكثر اللحظات التي دفعتها للاستمرار كان أول اختبار في مادة الفيزياء، عندما أعدّت لها والدتها اختباراً من أسئلة تجميعية، فحصلت فيه على العلامة الكاملة، وشعرت يومها أن حلمها ما زال ممكناً رغم كل ما يحيط بها من ألم.

وتحوّل ذلك الإنجاز الصغير إلى دفعة معنوية كبيرة، تُرجمت في نهاية العام إلى إنجاز أكبر، بعدما حصدت العلامة الكاملة 100 من 100 في امتحان الفيزياء النهائي.

"إحنا مش أبطال خارقين"

وتؤكد "يارا" أن كثيرين يعتقدون أن العزيمة تعني أن الإنسان لا ينهار، لكنها ترى الأمر بصورة مختلفة، قائلة: "كنت أمر بظروف تخليني أشعر بالعجز والانهيار، وفي أيام ما كنت أقدر أدرس إشي، لكن كنت أحاول كل يوم أدرس ولو صفحة. الاستمرارية هي اللي صنعت الفرق".

لم يكن الألم بعيداً عن تفاصيل يومها الدراسي، بل كان يسكن حتى صفحات الرياضيات، وتروي بحزن: "في مسائل الإثبات كنا نكتب (طرف أيسر) و(طرف أيمن)، مضيفةً: "أنا حليت حوالي 180 معادلة إثبات، وكل مرة أكتب (طرف أيمن) أتذكر أخوي أيمن وأبكي".

ورغم الغصة التي كانت ترافقها، بقي لديها دافع واحد يعيدها إلى مقعد الدراسة كلما تعثرت، وهو أن ترسم ابتسامة على وجه والديها وتقول: "كنت بدي أدخل أكبر وأقصى قدر من الفرحة على قلب أبوي وإمي بعد الفقد اللي تعرضنالُه".

و"يارا" هي الابنة الكبرى في أسرتها، وكانت دائماً فرحتهم الأولى، كما أنها تحمل منذ طفولتها حلماً بدراسة الطب، بعدما اعتاد الجميع مناداتها بـ"يارا دكتورة المستقبل".

ولم يكن تميزها الدراسي وليد الظروف الاستثنائية، بل امتداداً لمسيرة طويلة من الاجتهاد، إذ تؤكد أنها لم ينخفض معدلها طوال سنوات الدراسة عن 99%.

وردّاً على من شكك في نتائج طلبة غزة وربطها بالذكاء الاصطناعي، تقول بثقة: "أنا وكثير غيري، بل المعظم، عندنا طموح ودافع للدراسة، ومن واحنا صغار علاماتنا مشرفة، وما عمري نزل معدلي عن 99.

وتزيد لمراسلتنا: "ولو رجع فينا الزمن وقدمنا من جديد، بإذن الله حرجع وأجيب نفس المعدل، غزة فيها كتير ناس طموحة".

حافظة لكتاب الله..

وإلى جانب تفوقها الأكاديمي، تحفظ يارا القرآن الكريم كاملاً، وتؤكد أن حفظ كتاب الله كان من أهم أسباب ثباتها النفسي وقدرتها على الصبر خلال الحرب، وتستعد في شهر سبتمبر المقبل لتقديم اختبار إجازة حفظ القرآن الكريم كاملاً.

في غزة، لم تكن شهادة الثانوية العامة مجرد ورقة تحمل رقماً مرتفعاً، بل كانت إعلاناً بأن الحرب، مهما أثقلت القلوب، لا تستطيع أن تهزم الإرادة.

ويارا الفران، التي فقدت أخاً وأختاً ومنزلاً وأياماً كثيرة من الطمأنينة، أثبتت أن الأحلام يمكن أن تولد من بين الركام، وأن التفوق قد يكون أحياناً أبلغ أشكال الانتصار على الألم.

وتهدي يارا هذا التفوق إلى روحَي شقيقيها الشهيدين، أيمن وبيسان، اللذين كانا يؤمنان بقدرتها على تحقيق حلمها منذ سنوات، وتقول: "كانوا دايمًا فخورين فيّ، ويقولولي: الصحافة حتدخل بيتنا، وإنتِ حتكوني من أوائل الوطن".

لكن إخوتها الأصغر منها سناً رحلا قبل أن يشهدا لحظة إعلان النتيجة التي انتظراها طويلًا.

وبين فرحة النجاح ووجع الغياب، بقيت الأمنية ناقصة؛ فالمقعدان اللذان كانا سيصفقان لها، تركتهما الحرب فارغين، فيما حملت يارا تفوقها هديةً إلى روحيهما، ووعدًا بأن تواصل الطريق الذي آمنَا بأنها ستبلغه يومًا

توجيهي 2026

ويوم الجمعة، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي، نتائج امتحانات الثانوية العامة "التوجيهي" للعام 2026، للطلبة النظاميين من مواليد 2008 في الضفة الغربية وقطاع غزة وخارج فلسطين، بعد أشهر من الاستعداد والترقب، وفي ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة.

وحملت نتائج هذا العام أبعاداً استثنائية، لا سيما في قطاع غزة، حيث انتظر آلاف الطلبة وعائلاتهم لحظة إعلانها وسط واقع يطغى عليه القصف والنزوح وفقدان الأحبة وتدمير المدارس والمرافق التعليمية.

وتقدم أكثر من 106 آلاف طالب وطالبة لامتحان الثانوية العامة في قطاع غزة خلال سنوات الحرب الثلاث الماضية، بينهم 36 ألفا و900 طالب وطالبة هذا العام.

وتسبب الاحتلال في استشهاد أكثر من 1100 طالب وطالبة كان من المفترض أن يتقدموا للامتحان هذا العام في القطاع.

وكانت وزارة التربية والتعليم العالي قد أطلقت امتحانات الثانوية العامة في 20 حزيران/ يونيو الماضي، بمشاركة 91,138 طالباً وطالبة، بينهم 51,499 في الضفة الغربية، و37,698 في قطاع غزة، و1,941 خارج فلسطين موزعين على 46 دولة.