لم يتوقع الإعلامي الفلسطيني علاء الريماوي، حين بادر إلى توجيه نداء عاجل عبر منصاته الرقمية لإنقاذ معلمة مهددة بالسجن الفوري بسبب ديون متراكمة، أن يجد صدىً يتجاوز حدود الاستجابة الفردية ليتحول إلى ظاهرة مجتمعية عارمة.
فقد أطلقت هذه الشرارة حملة واسعة حطت رحالها تحت عنوان "تنازل لله"، تداعى إليها أصحاب الحقوق من تجار وباعة وأصحاب عقارات لإسقاط ديون مترتبة على مدينين عجزوا عن الوفاء بها، ليتناقل المشاركُون عبر فضاءات التواصل الاجتماعي صورًا ومقاطع مرئية توثق إتلافهم للشيكات ودفاتر الديون بحرية تامة وابتغاءً للأجر.
وتستعيد تفاصيل المبادرة بداياتها الأولى، بحسب ما يرويه الريماوي لـ "وكالة سند للأنباء"، إثر اتصال تلقاه من معلمة مدرسة تبث همّها بعد صدور شيك مرتجع بقيمة ألفي شيكل ضدها، وترقبها لشيك آخر يلوح في أفق الملاحقة، مخافة أن تباغتها الشرطة بالاعتقال من داخل حرم المدرسة وأمام ناظري زملائها وطلبتها مع إطلالة العام الدراسي الجديد.
هذا النداء الفردي تفاعل بشكل دراماتيكي متسارع، إذ أسقطت الحملة خلال نصف ساعة فقط ديونًا تجاوزت النصف مليون شيكل، لتتضخم الحصيلة تدريجيًا وتقارب حتى فجر أمس الأربعاء نحو 12 مليون شيكل من المبالغ المعلنة وحدها، بينما اختار كثرٌ إبقاء مسامحاتهم طي الكتمان كـ "خبيئة" خالصة ترجو ما عند الله وحده.
ويسرد الريماوي نماذج حية ومضيئة تعكس عمق الانتماء وجمال النسيج المجتمعي؛ من أبرزها مبادرة رجل وشقيقته من بلدة عارة في الداخل المحتل اللذين تنازلا عن ديون تتجاوز 700 ألف شيكل دفعة واحدة.
ويؤكد أن هذه الأواصر تتشابك امتدادًا من أراضي الداخل الفلسطيني وحتى خيام النزوح ووجعها في قطاع غزة، مبينًا أن الحملة التي انطلقت غوثًا للنساء الغارمات اتسعت بمداد كرم الناس لتشمل قطاعات أوسع.
وتصدرت خارطة التفاعل في محافظات شمال الضفة الغربية، لا سيما في مسامحات أجور المنازل التي شغلها نازحون أُجبروا على ترك مخيمات جنين وطولكرم قسرًا وظروف قاهرة.
تكافل وإيثار
تُبدي هذه الحملة -وفق مؤسسها- المعدن الأصيل للشعب الفلسطيني وقدرته الفائقة على التكافل والإيثار رغم قسوة الظروف وضيق ذات اليد، مشيرًا إلى أن المفاجأة الكبرى تتمثل في أن نحو 80% ممن تنازلوا عن حقوقهم هم أنفسهم من المتعثرين أو المحتاجين أصلاً.
ويشدد الريماوي على أن المبادرة لا تستهدف بحال إسقاط الديون عن المقتدرين والقادرين على السداد، بل تخص المتعثرين حصرًا ممن يمتلكون نية الوفاء وتراكمت ديونهم خلف حاجات أساسية ملحة بعيداً عن رفاهية العيش، داعيًا أصحاب الأموال إلى مسامحة المعسرين أو تقسيط الحقوق بما لا يفضي إلى تقويض أسرة بأكملها.
ويطمح ضيف "سند" إلى اتساع نطاق هذه المبادرات المجتمعية لتبلغ كل حي ومنطقة، محفزًا الشركات الكبرى ذات القدرة المالية الكبيرة على أداء مسؤولياتها المجتمعية تجاه قضايا الحبس الموجهة ضد النساء، والمساهمة في إدخال البهجة والسرور إلى قلوب الأيتام وتنفيس كربات الغارمين.
هذا الباب الواسع للخير استقطب متبرعين جُدد لم يكونوا أصحاب حقوق أصليين، من بينهم تاجر من إحدى قرى محافظة الخليل علم بمحنة سيدة من رام الله يتهددها خطر السجن بدين قدره ثلاثة آلاف شيكل، فبادر إلى تسديده بنفسه لتفريج كربتها.
ويحكي التاجر تجربته بالقول إنه رغم تشككه المبدئي في جدوى الخطوة وهواجسها، إلا أن تيسيراً مذهلاً لحق بتجارته عقب ذلك مباشرة محققاً ربحًا إضافيًا بقيمة 12 ألف شيكل.
قضايا المحاكم وأزمة أوامر الحبس
من منظور قانوني حقوقي، يثني المحامي وائل الحزّام على حملة "تنازل لله" وجهود رعاتها، معربًا في الوقت ذاته عن أمله في توجيه بوصلة الحملة نحو القضايا المنظورة في دوائر التنفيذ بالمحاكم والنيابة العامة، واستهداف المحبوسين فعليًا على ذمم مالية، وخاصة أولئك الذين تقطعت بهم السبل إثر عجزهم عن دفع أثمان إيجار مساكنهم.
ويصف الحزّام في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" ملف أوامر الحبس بالوضع الكارثي والمهدد المباشر للنسيج الاجتماعي، لافتًا الانتباه إلى أن أغلب الموقوفين ليسوا محتالين قط، بل هم مقترضون من المصارف أو تجار عصفت بهم أزمات العمل المفاجئة.
ويتابع شارحًا تفاصيل المعاناة أن لجوء المقترضين للبنوك يجرهم وكفلاءهم إلى أتون ملاحقات قضائية قاسية تحيل أوامر الحبس إلى سكاكين مسلطة على الرقاب بلا هوادة.
وتخلف هذه الأوامر القضائية -بحسب الحزّام- تبعات نفسية واجتماعية بالغة الخطورة على استقرار العائلات وسلامة النساء والأطفال.
وحذر بشدة من تنامي ظاهرة إجبار الأزواج لزوجاتهم على الاقتراض بأسمائهن أو الكفالة الشخصية، وما يعقبها من حالات طلاق وتصدع أسري موثقة بعشرات الشواهد المؤلمة في أروقة المحاكم.

