حذرت تقارير حقوقية وباحثون فلسطينيون وإسرائيليون من تصاعد عمليات الاستيلاء الإسرائيلية على المواقع الأثرية والتراثية في الضفة الغربية المحتلة، معتبرين أن استخدام علم الآثار والحفاظ على التراث بات يشكل غطاءً لتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وأشار تقرير نشرته مجلة +972 إلى أن قرية سبسطية شمال الضفة الغربية تمثل إحدى أبرز ساحات هذا التوجه، بعدما أصدرت الإدارة المدنية الإسرائيلية في فبراير/شباط الماضي أمراً بمصادرة أكثر من ألفي دونم من الأراضي المحيطة بالموقع الأثري، بما يشمل أراضي زراعية مملوكة لفلسطينيين، في خطوة وُصفت بأنها أكبر عملية مصادرة لأراضٍ أثرية في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي.
ودفع القرار السلطة الفلسطينية إلى التحرك لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لإدراج سبسطية على قائمة التراث العالمي، أملاً في توفير حماية دولية للموقع، فيما أعلن وزير السياحة الفلسطيني نجاح هذا المسعى، رغم استمرار الشكوك بشأن تأثيره العملي على الأرض.
ونقل التقرير عن أمينة متحف سبسطية، ولاء غزال، قولها إن المدينة "تُستأصل قطعة قطعة"، موضحة أن الحرب منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أدت إلى انهيار النشاط السياحي، بينما بات الخطر الأكبر يتمثل في استمرار أعمال المصادرة والتنقيب الإسرائيلية التي تهدد هوية الموقع التاريخية.
أوامر المصادرة وتوسيع الحفريات
وفق التقرير، فإن ما يجري في سبسطية يندرج ضمن سياسة إسرائيلية أوسع تستهدف مواقع التراث في مختلف أنحاء الضفة الغربية، من خلال أوامر المصادرة وتوسيع الحفريات، بالتوازي مع مساعٍ لنقل إدارة المواقع الأثرية إلى سلطات مدنية إسرائيلية، في خطوة يعتبرها منتقدون تمهد لمزيد من تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة.
وأوضحت تاليا عزراحي، من منظمة "عيمك شافيه" الإسرائيلية، أن قرارات حكومية صدرت خلال عامي 2024 و2026 وسعت صلاحيات وحدة الآثار التابعة للإدارة المدنية لتشمل مناطق خارج المنطقة "ج"، بما في ذلك المنطقتان "أ" و"ب"، اللتان يفترض أن تخضعا لصلاحيات السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو.
وذكر التقرير أن عمليات المصادرة امتدت أيضاً إلى مواقع تراثية أخرى، من بينها قرية النبي صموئيل شمال القدس، إضافة إلى برك سليمان جنوب بيت لحم، التي تعد جزءاً من نظام مائي تاريخي كان يزود القدس وبيت لحم والمناطق المحيطة بالمياه منذ قرون.
وأشار إلى أن الكنيست الإسرائيلي أقر في مايو/أيار الماضي مشروع قانون يقضي بنقل الإشراف على الآثار في الضفة الغربية من وزارة الجيش إلى هيئة مدنية إسرائيلية، قبل أن يتم تجميده مؤقتاً، بينما اعتبر منتقدون أن المشروع يمثل محاولة لإضفاء طابع قانوني على إجراءات الضم الجارية فعلياً.
وقالت عزراحي إن مشروع القانون كان سيضع منظومة الآثار بالكامل تحت سلطة وزير التراث الإسرائيلي، مضيفة أن تجميده لا يعني توقف الإجراءات على الأرض، بل إن الوقائع الميدانية تتسارع بصورة أكبر.
استهداف التراث الأثري وتقويض السياحة
قال رئيس بلدية سبسطية محمد عزام إن عمليات المصادرة لا تهدد الأراضي الخاصة فقط، بل تطال التراث الأثري والاقتصاد المحلي القائم على السياحة، موضحاً أن البلدية نجحت في تعليق أمر المصادرة حتى 30 أغسطس/آب المقبل، إلا أن أعمال الحفر الإسرائيلية لم تتوقف، بحسب قوله.
وأضاف عزام أن سلطات الاحتلال منعت طواقم البلدية من تنفيذ أعمال الصيانة الأساسية داخل الموقع الأثري، بما في ذلك تنظيف الموقع وإزالة النباتات، معتبراً أن ما يجري محاولة لفرض رواية تاريخية جديدة عبر السيطرة على الأرض.
وفي قرية النبي صموئيل شمال غرب القدس المحتلة، أشار التقرير إلى أن أمراً جديداً بالمصادرة يشمل نحو 110 دونمات تضم المسجد والمنطقة الأثرية المحيطة به ونبعاً وأراضي زراعية، تحت عنوان "الحفاظ على الموقع الأثري لقبر النبي صموئيل".
وأوضح التقرير أن سكان القرية يرون في القرار امتداداً لسياسات قديمة بدأت بتهجير السكان عام 1971، ثم إعلان المنطقة محمية طبيعية عام 1995، بينما يعيش اليوم نحو 250 فلسطينياً داخل القرية وسط قيود مشددة على الحركة والبناء.
بدورها، وصفت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية القرار بأنه جزء من سياسة تهدف إلى عزل المسجد عن محيطه الفلسطيني وتحويله إلى موقع أثري ذي طابع يهودي، فيما قال رئيس المجلس المحلي أمير عبيد إن الإجراءات تتدرج نحو تهويد المنطقة وتهجير سكانها.
كما نقل التقرير عن جورج ريشماوي، المدير العام لـ"مسار التراث الفلسطيني"، قوله إن السيطرة على المواقع التراثية تترافق مع السيطرة على المناطق الاستراتيجية المحيطة بالمدن الفلسطينية، بما يؤدي إلى تطويقها وعزلها، معتبراً أن الهدف النهائي يتمثل في محو الهوية الفلسطينية وربط المواقع التاريخية بسردية إسرائيلية حصرية.
ورأت عزراحي أن أوامر نزع الملكية تكشف أن الهدف يتجاوز أعمال التنقيب الأثري، مشيرة إلى أن القانون الدولي لا يشترط مصادرة الأراضي لإجراء الحفريات، ما يجعل إجراءات نزع الملكية مرتبطة بالسيطرة على الأرض أكثر من ارتباطها بحماية الآثار.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن إدراج سبسطية على قائمة التراث العالمي قد يوفر مزيداً من الرقابة الدولية، لكنه لا يشكل ضمانة لوقف إجراءات المصادرة أو منع اعتداءات المستوطنين، مستشهداً ببلدة بتير المدرجة منذ سنوات على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، والتي لا تزال تواجه اعتداءات وقيوداً متواصلة رغم وضعها القانوني الدولي.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع مجلة +972 أضغط هنا
