أكد خطيب المسجد الأقصى المبارك، الشيخ عكرمة صبري، أن الحريق الذي أُشعل في المسجد الأقصى عام 1969 لم ينطفئ حتى اليوم، وإنما اتسعت رقعته لتتحول من استهداف الحجارة والنيران المباشرة إلى استهداف مدينة القدس بأكملها، في جغرافيتها وديمغرافيتها وهويتها العربية والإسلامية.
وفي تصريح خاص بـ "وكالة سند للأنباء" في ذكرى إحراق الأقصى التي تصادف يوم غدٍ الجمعة، أوضح الشيخ صبري، أن النيران التي التهمت أجزاء من المصلى القبلي قبل 57 عامًا باتت تأخذ اليوم أشكالاً مركبة عبر سياسات ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني، وتضييق الخناق على السكان، وتهديد المنازل بالهدم لفرض وقائع جديدة بالقوة.
وأشار إلى أن ما يجري في الأحياء والمناطق المحيطة بالمسجد يمثل امتدادًا مباشراً لذلك الحريق التاريخي، مضيفًا: "في عام 1969 كانت ألسنة اللهب تُرى داخل المسجد، أما اليوم فالحريق أوسع؛ نراه في البيوت المهددة بالهدم، وفي الأسر التي تواجه التهجير، وفي محاولات تغيير وجه القدس".
وبيّن أن الخطر لا يتوقف عند حدود منزل مهدد أو عائلة مستهدفة، بل إن "كل بيت مقدسي مهدد بالهدم وكل أسرة مهددة بالاقتلاع هي جزء من معركة الدفاع عن القدس والأقصى".
وشدد أن المسجد الأقصى ليس مجرد مبنى منفصل عن محيطه، بل هو جزء أصيل من تاريخ المدينة، وأن استهداف البلدات المحيطة به يمثل استنادًا مباشرًا لمكانته وهويته.
وحذر الشيخ صبري، من التعامل مع ذكرى الحريق باعتبارها مجرد محطة تاريخية تُستذكر مرة كل عام، مؤكدًا أن جوهر الجريمة ما يزال حاضرًا ومستمراً ما دامت الأخطار تهدد المقدسات والمدينة.
ودعا أبناء الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية إلى إبقاء قضية القدس والأقصى حاضرة في الوعي والمواقف، وعدم السماح بتحويل الاعتداءات المتواصلة إلى واقع اعتيادي أو حقائق مسلّم بها.
وقال إنّ: "هذا الحريق الذي ظل يلتهم عروبة المدينة والمسجد سينطفئ بإرادة الشعب الفلسطيني وصموده، فالنار تستطيع أن تحرق الحجر، لكنها لا تستطيع أن تحرق هوية الأقصى ولا ذاكرة القدس ولا إرادة شعب متمسك بأرضه".
في 21 من أغسطس/ آب عام 1969، اقتحم المتطرف الأسترالي دينيس مايكل روهان المسجد الأقصى المبارك من باب الغوانمة، وأشعل النار في المصلى القبلي؛ وهو الحريق الذي أتى على جزء كبير من المسجد، بما في ذلك منبر صلاح الدين الأيوبي الذي يحمل قيمة تاريخية وحضارية عظيمة.
ورغم محاولات سلطات الاحتلال الإسرائيلي آنذاك تبرير الجريمة والادعاء بأن الحريق ناتج عن تماس كهربائي، إلا أن التقارير الفنية والهندسية التي أعدها المهندسون العرب أثبتت قاطعاً أنه كان عمداً ومدبراً.
أثبت هذا الحادث موجة استنكار دولي واسعة، حيث أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً يدينه، إلى جانب تفجيره غضباً عارماً في العالمين العربي والإسلامي أفرز تأسيس "منظمة المؤتمر الإسلامي" (منظمة التعاون الإسلامي حالياً).
وعلى صعيد الترميم، انطلقت أعمال إعادة تأهيل المصلى القبلي بعد عام من الحريق واستمرت حتى عام 1986، فيما ظل منبر حديدي مؤقت قائماً في المسجد حتى عام 2006، حين أُعيد تركيب منبر جديد مطابق تماماً للمنبر التاريخي المحترق.
