الساعة 00:00 م
الإثنين 07 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.25 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.5 يورو
3.01 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

هل تبدأ وزارة التعليم تطبيق تعديلات مناهج الثانوية فعليًا وما تفاصيلها؟

ألم بلا مسكنات.. انهيار كارثي يضرب قطاع طب الأسنان ومعامله في غزة

حجم الخط
أزمة قطاع الأسنان في غزة
غزة – هداية عصمت حسنين – وكالة سند للأنباء

لا يقتصر واقع الحرب المستمرة على قطاع غزة على الدمار الظاهر فحسب، بل يمتد ليفتك بأبسط مقومات الحياة الصحية وأكثرها إيلامًا؛ فهذا قطاع طب الأسنان يواجه انهيارًا غير مسبوق في ظل منع الاحتلال إدخال المستلزمات الطبية، والحشوات، والتركيبات، وحتى البنج المخصص للأسنان منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023؛ الأمر الذي أزّم المنظومة الصحية وعصف بالمرضى، وأطباء العيادات، وفنيي المعامل على حد سواء.

يعيش الشاب الثلاثيني محمد البهتيني فصولاً من العذاب المستمر لأكثر من 3 أسابيع، عاجزًا عن النوم أو التركيز في تفاصيل يومه بسبب ألم أسنانه الحاد.

ويروي "البهتيني" في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أنه تردد على طبيب الأسنان لأكثر من 4 مرات خلال هذه المدة لإتمام حشوة العصب، غير أن الحشوة كانت تتهاوى وتتسقط بعد أيام لعدم صلاحية البدائل المتاحة وسط منع الاحتلال إدخال المستلزمات الطبية.

ويُطلع الأطباء مرضاهم على أن هذه البدائل مؤقتة ومتاحة بالحد الأدنى في ظل شح الحشوات والتركيبات الأصلية، مبينين أنهم يعتمدون على ما تبقى في المخازن أو ما يدخل شحيحًا عبر طرق التهريب، وربما يكون بعضها خاليًا من المواصفات المطلوبة، بحسب "البهتيني".

ولا تقف المأساة عند حدود الحشوات، بل تتعداها إلى غياب التركيبات والبنج التخصصي؛ إذ تروي المسنة إبتسام صلاح تفاصيل تجربتها المؤلمة إثر خروجها من عيادة الطبيب باكية بعد محاولتها خلع سن هش لتركيب طقم أسنان.

إذ تعرضت لألم شديد ومفاجئ أخبرها الطبيب سببه أن المخدر المستخدم ليس بنج الأسنان الأصلي، بل هو بنج موضعي بديل.

وتتابع "إبتسام" في شهادتها لمراسلتنا أنها توقفت عن متابعة عملية الخلع لتهالك أسنانها وعدم قدرتها على تحمل الألم، فضلاً عن صدمتها بمعرفة أن تكلفة أطقم الأسنان التركيبية ستتجاوز عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، وسط جودة منخفضة وأوقات انتظار طويلة، لتستسلم مرغمة لقناعة بأن وجع السن سيرافقها حتى تنقشع هذه الأزمة.

عيادات بلا مستلزمات ومعضلات إنسانية

داخل العيادات الطبية، تتكشف فصول المأساة التي ينقلها "ضيوف سند"، متمثلة في شح التركيبات والحشوات والتلبيسات، وصعوبة الحصول على لاصقها، فضلًا عن الغياب شبه التام للبنج التخصصي.

وعند سؤاله عن أبرز المواد النادرة، يستهل طبيب الأسنان بسام شلتوت حديثه بالقول: "كل شيء غير متوفر، كل شيء فيه نقص، لا شيء متاح إلا البنج، ولكن حتى هذا البنج الوحيد المتاح حالياً هو "الليدوكائين" المخصص للمستشفيات الحكومية، وهو ليس البنج الأصلي الفعال للأسنان الذي فُقد منذ بداية الحرب".

ويشير "شلتوت" في حواره مع "وكالة سند للأنباء" إلى عجز الناس المالي التام؛ إذ يُضطر المريض إلى العزوف عن ارتياد العيادة لعدم امتلاكه النفقات في ظل الغلاء الفاحش والوضع المأساوي.

ويوضح أن الحالات الوافدة تصل غالباً في مراحل متأخرة للغاية، إذ تأتي 90% منها في اللحظات الأخيرة بعد استنفاد كافة الحلول، ليقف الطبيب والمريض أمام خيارين أحلاهما مر: إما الخلع الاضطراري للسن لعجز المريض عن دفع تكلفة العلاج، أو ترك السن بلا حشوة نهائية.

ويلفت "شلتوت" الانتباه إلى قسوة الأزمة المتمثلة في القفزات الجنونية للأسعار؛ فحشوة الأسنان التي بلغ سعرها نحو 30 شيكلاً قبل الحرب، ارتفعت إلى 170 شيكلاً، ثم قفزت لتتراوح بين 700 و900 شيكل.

ويضيف أن هذا الغلاء المهول بات يفوق طاقة المواطن المُعدم مع انعدام مصادر الدخل وتوقف العمل في مخيمات النزوح، مبيناً أنه كان يستقبل سابقاً أكثر من 20 حالة يوميًا، في حين بات يقتصر عمله اليوم على نحو 5 حالات فقط، إما لشح المال أو لانعدام المستلزمات الطبية.

أسعار جنونية وأزمة ممتدة النطاق

من جهتها، تؤكد طبيبة الأسنان لبنى مسلم لـ "وكالة سند للأنباء" هذه المعطيات الرقمية بتفصيل دقيق، مشيرة إلى قفزات أسعار المواد الاستهلاكية بنسب تتراوح بين 500% و1000%.

وبحسب الطبيبة "مسلم"، قفزت قيمة الحشوة العادية من 30-40 شيكلاً قبل الإبادة إلى 100 شيكل، بينما ارتفعت حشوة العصب من 70 شيكلاً لتكلف ما بين 400 و500 شيكل.

كما صعد سعر علبة الحشوات من 45 شيكلاً ليصل إلى 900 أو 1000 شيكل للعلبة الواحدة، بارتفاع يناهز 500% إلى 600%.

وتوضح "مسلم" أن شح المواد طال الحشوات المؤقتة أيضاً مثل مادة "Triton" وبدائلها التي باتت تتهالك وتفشل في عزل البكتيريا، مؤكدة أن هذا النقص يحيل دون تقديم أي علاج نهائي ليقتصر الأمر على حلول مؤقتة محدودة الأفق.

وتلفت إلى أن أزمة قطاع الأسنان تتجاوز الأطباء والمرضى لتمتد وتشمل طلبة طب الأسنان من السنة الأولى إلى الخامسة الذين يقتصر تحصيلهم على المناهج "النظرية" لخلو الأسواق والمقرات من المواد التطبيقية، ناهيك عن تعطل خريجي السنوات الأخيرة الحاصلين على منح خارجية دون القدرة على السفر أو استكمال مستقبلهم.

مختبرات الأسنان.. شلل تام وبدائل كارثية

ولا يختلف حال المعامل الصناعية للأسنان عن العيادات الطبية؛ إذ تعاني مختبرات غزة من نقص حاد ومميت في المواد الأساسية المستخدمة يوميًا.

وفي حديث خاص لـ "وكالة سند للأنباء"، يوضح مدير معمل المجد للأسنان، سهيل الغرابلي، أن معامل القطاع تعاني من شلل تام دفع الغالبية الساحقة منها إلى إغلاق أبوابها، ولم يبق سوى عدد ضئيل لا يتجاوز 5 معامل تعمل في الحد الأدنى.

ويبيّن "الغرابلي" أن الأزمة الفنية تفاقمت مع اختفاء مادة طبعات الأسنان المعروفة بـ "زيتا بلس" تماماً من الأسواق، وانعدام الجبس الطبي المتخصص لصناعة النماذج، كالجبر التجاري وجبس السن والأكريليك ومشتقاته ومواد البنتين والبست.

وتلافيًا لهذا العجز، اضطر الفنيون إلى اللجوء لبدائل غير صحية وخطيرة تتمثل في استخدام جبس بديل معاد تدويره محليًا من مخلفات المباني المدمرة بعد طحنها وتسخينها، وهو ما ينعكس بصورة كارثية على جودة المنتج النهائي، لتصبح التركيبات هشة وعرضة للتلف والتشقق السريع، وفقًا لـ "الغرابلي".

ويضيف أن العجز امتد ليطال تأمين المواد المعدنية الأساسية (المبتس والوبكس) للتلبيسات والجسور الثابتة، مما هوى بالإنتاجية من معدل يتراوح بين 20 إلى 100 تلبيسة يوميًا إلى توقف تام بنسبة 0%.

ومع انقطاع الوقود ومصادر الطاقة وارتفاع أجور المقرات بنسب جنونية بلغت نحو 80% إلى 100%، لجأ العاملون في المعامل إلى وسائل بديلة وبدائية للغاية لتسييح الشمع المستخدم في الأطقم السنية، كاستخدام الزيت النباتي عوضًا عن الغاز؛ وهي طريقة تنفث السخام وتراكم آثار الاحتراق على القوالب السنية.

وختامًا، لا تعدو هذه الشهادات الميدانية التي أدلى بها الأطباء وفنيو المعامل والمرضى أن تكون نافذة صغيرة تطل على كارثة صحية وإنسانية صامتة تضرب جذور الجسد الغزي، وتُنذر بمزيد من التعقيدات المرضية الخطيرة إن لم يتدخل العالم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في قطاع باتت فيه أبسط حقوق التداوي شبه منعدمة.