انخفضت الأسعار بشكل حاد منذ مجاعة عام 2025، لكن مع تدمير القدرة الشرائية بسبب ما يقرب من ثلاث سنوات من حرب الإبادة الجماعية والنزوح، لا يزال الطعام المعروض على الرفوف بعيد المنال عن غالبية سكان قطاع غزة.
وفي خيمة بتل الهوى، غرب مدينة غزة، تقدّم إيمان عبد الكريم، البالغة من العمر 39 عاماً وأم لستة أطفال، قطعاً من الخبز لأطفالها الجائعين، وبعضهم لم يبلغ بعد سن البلوغ. وتحيط بها بعض أواني الطبخ الفارغة، فيما لم يُشعل الموقد عند مدخل الخيمة لا أمس ولا اليوم.
وتعيش عبد الكريم وعائلتها على وجبة واحدة في اليوم، يتناولونها عادة وقت الظهيرة. وعندما تتوفر، يحصلون عليها من مطبخ مشترك. وإذا لم يتوفر طعام من المطابخ، يكتفون بالخبز.
وفي بعض الأحيان، يحصلون على وجبة من خيمة مجاورة، أو يطبخون العدس، الذي يعد من أرخص الأطعمة في غزة، رغم ارتفاع أسعاره إلى مستويات تفوق قدرة بعض العائلات على تحملها.
تقول عبد الكريم: "يرى أطفالي بعض الخضراوات والفواكه عند الجيران، فيبدأون بطلبها مني. ولكن على الرغم من توفر بعض الفواكه والخضراوات وغيرها من الأطعمة في الأسواق، فإننا لا نستطيع شراء أي شيء. لقد عشنا في خيام لأكثر من عامين. أنفقنا كل أموالنا في محاولة للبقاء على قيد الحياة، ولم يتبق لدينا شيء".
وقد ظهرت المواد الغذائية في أسواق غزة لأول مرة منذ سنوات، لكن الجوع لم يختف. فبحسب تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادر في أغسطس/آب 2026، من المتوقع أن يواجه أكثر من 1.4 مليون شخص، أي ثلثي سكان غزة، ظروفاً حرجة أو أسوأ حتى ديسمبر/كانون الأول 2026.
انعدام القدرة الشرائية في غزة
لم يُترجم وجود السلع على الرفوف إلى أمن غذائي لغالبية سكان غزة، الذين تضررت قدرتهم الشرائية بشدة جراء أكثر من عامين من الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي.
وانخفضت الأسعار بشكل نسبي مقارنة بالعام الماضي، حين كانت المجاعة تعصف بالسكان. ففي ذروة الأزمة، منتصف عام 2025، كان سعر الكيلوغرام الواحد من الدقيق يتراوح بين 250 و300 شيكل، أي ما بين 70 و90 دولاراً، في بعض مناطق قطاع غزة.
ووفقاً لتقرير برنامج الأغذية العالمي، كان سعر دقيق القمح أعلى بنسبة 4900% من سعره قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023. أما اليوم، فيبلغ سعر كيس الدقيق زنة 25 كيلوغراماً نحو 30 شيكلاً، أي ما يعادل 10 دولارات.
كما انخفضت أسعار الطماطم بنحو 81% منذ وقف إطلاق النار، والبطاطس بنحو 70%، والأرز بنحو 73%، وفقاً لتقرير حالة إنسانية صادر عن اليونيسف ويغطي الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى يونيو/حزيران 2026.
ويؤدي تراكم الإمدادات الإنسانية، بما في ذلك سلع مثل البقوليات والدقيق التي يمكن أن تفسد عند تخزينها لفترات طويلة في حرارة صيف غزة، إلى دفع التجار لبيعها بسرعة.
لكن انخفاض الأسعار لم يشمل جميع السلع بالتساوي، فما زال الحصول على الحليب والبروتين والأسماك، وهي مواد أساسية، صعباً. وتخضع أسعار غاز الطهي لتنظيم وزارة الاقتصاد في غزة، حيث تخصص للأسر كمية تقدر بثمانية كيلوغرامات كل ستة أشهر، وهي كمية أقل بكثير من احتياجاتها الأسبوعية.
أزمة إنسانية متفاقمة
لا تزال الكهرباء مقطوعة عن معظم أنحاء القطاع، ما يجعل تخزين الطعام شبه مستحيل للأسر والتجار على حد سواء.
وتتذكر عبد الكريم المجاعة بألم شديد، وتقول: "خلال المجاعة التي حلت بنا العام الماضي، كنت أسمع أطفالي يبكون من الجوع ليلاً ونهاراً، ويتأوهون، ولم يكن بوسعي فعل شيء لهم. لم أستطع الذهاب إلى شاحنات الإغاثة التي وصفوها بأنها طريق الموت. ولم يستطع زوجي أيضاً، فهو يعاني من إصابة في قدمه منذ بداية الحرب".
وتضيف: "لذا، بدلاً من ذلك، بعت مجوهراتي لأتمكن من توفير الخبز لأطفالي. ولم أكن وحدي، فقد فعلت ذلك العديد من النساء".
ويرى رامي عويس، البالغ من العمر 56 عاماً، وهو أب لثمانية أطفال وموظف متقاعد، أن الفجوة بين ما هو مرئي وما هو متاح فجوة متعمدة، وجزء مما يسميه "لعبة سياسية" أصبحت دولة الاحتلال الإسرائيلي بارعة فيها للغاية لخلق مظهر الحياة الطبيعية.
يقول عويس: "ترى الأسواق مليئة بالفواكه والخضراوات بكل الألوان والأشكال. ولكن من يستطيع شراءها كل يوم؟ من يستطيع إحضار ما يكفي من الطعام لنفسه ولأسرته إلى خيمة تتحول إلى فرن في الصيف؟".
ويمثل التخزين مشكلة بحد ذاته، إذ يقول: "لا توجد ثلاجات في الخيام، وحتى لو وُجدت، فلا توجد كهرباء لتشغيلها". ويشرح أن طهي ما يمكن إحضاره يتطلب حطباً، يستغرق جمعه ساعات ويملأ الخيام بالدخان.
ويقول عويس: "كل هذا جزء من السياسة. أنتم ترون الصور، لكن فقط من يعيشون بين أهل غزة وفي ظل ظروف غزة يعرفون الجحيم الذي يعيشونه".
ويضيف أن الأسواق في غزة تعكس هذه التناقضات. فالكيلوغرام من اللحم، الذي كان سعره خلال المجاعة قد يصل إلى 400 أو 500 شيكل عندما كان من الممكن العثور عليه، يباع الآن بنحو 40 شيكلاً.
ويبلغ سعر الكيلوغرام الواحد من البطاطس نحو ستة شواقل، والطماطم ثمانية، والبصل ستة، والخيار 12. وبالمقارنة مع أسعار ما قبل الحرب، كانت هذه أسعاراً معقولة، لكن القدرة الشرائية انهارت.
ويتم تغطية أكثر من ثلث احتياجات غزة من الخبز من خلال المخابز التي يدعمها برنامج الأغذية العالمي، حيث تباع حزم من ثمانية إلى تسعة أرغفة بيتا بسعر محدد يبلغ نحو دولار واحد.
لكن برنامج الأغذية العالمي اضطر إلى تقليل إمدادات الدقيق للمخابز بسبب قيود الاستيراد الإسرائيلية، ما دفع العديد من العائلات التي كانت تعتمد على هذه المخابز إلى البحث عن مصادر أخرى.
يقول عويس: "لم يعد لدينا مال. لم نعد قادرين على شراء الأشياء كما كنا نفعل قبل الحرب. لقد استنزفت هذه الحرب كل ما ادخرناه للمستقبل، ثم دمرت المستقبل نفسه".
حالة طوارئ دائمة
يقع التجار في المأزق نفسه، إذ يكافحون لتخزين ما يشترونه، ويشاهدون البضائع القابلة للتلف تتدهور في الحرارة من دون كهرباء لتبريدها، ويجدون أنفسهم مضطرين للبيع بأسعار مخفضة، وأحياناً بخسارة، لتصريف المخزون قبل أن يفسد.
يقول عبد العزيز، وهو تاجر صغير في غزة رفض ذكر اسمه الكامل، إنه كلما توفرت الخضراوات والفواكه، يسارع التجار إلى شرائها، لعلمهم أنها أطعمة يتوق إليها الفلسطينيون بشدة، لكن الطلب يبقى محدوداً حتى بالأسعار العادية.
ويقول: "الناس يخشون الشراء. إنهم يحاولون دائماً الاحتفاظ ببعض النقود في أيديهم تحسباً لأي طارئ. وقد أصبحت غزة حالة طوارئ دائمة".
وعندما يشتري الناس، يشترون أقل ما يمكن. "بدلاً من شراء كيلوغرامين من البطاطس، على سبيل المثال، قد يشتري الأب حبتين فقط لعائلته في ذلك اليوم".
ولم تعد العائلات تطبخ وجبات كاملة كل يوم، إذ تتناول الطعام في مطابخ الإغاثة أو تكتفي بسندويشات الجبن أو المربى بدلاً من إعداد وجبة كاملة، كما يضيف.
وعن تأثير الحرب على عادات سكان غزة الغذائية، يصف عبد العزيز ذلك بأنه "سياسة"، ويقول: "سياسة متعمدة لإبقاء الناس في حالة من الحاجة. فحتى لو توفرت السلع، لن يتمكن الناس من شرائها".
ويضيف: "يخبر الاحتلال الإسرائيلي العالم بأنه يُدخل الغذاء إلى غزة. العالم يرى ذلك، لكن العالم لا يعلم كيف تمكن الناجون في غزة من البقاء على قيد الحياة، وما الذي أرهقهم، أو ما الذي ضحوا به للوصول إلى هذه المرحلة، حيث لم يعد بإمكانهم شراء الخضراوات والفواكه لعائلاتهم".
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع Mondoweiss أضغط هنا
