أعادت منصة "زيتيو" فتح ملف إطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلي النار في مواقع وعمليات كان إسرائيليون (جنود ومستوطنون) محتجزون موجودين فيها، متسائلة عن استخدام "توجيه هانيبال" لمنع عمليات الأسر؟.
وقالت "زيتيو" إن السؤال الذي لم تقدّم التحقيقات المنشورة إجابة شاملة عنه، بعد 3 سنوات على الـ 7 من أكتوبر، كم إسرائيليًا قُتل بنيران الجيش في ذلك اليوم؟.
واستعرضت المنصة، في تقرير نشر يوم 6 أكتوبر 2026، تقارير إسرائيلية وشهادات لمسؤولين عسكريين بشأن استخدام "هانيبال"، منتقدة محدودية حضور التوجيه في التغطية الغربية، وداعية لتحقيق مستقل في ظروف مقتل إسرائيليين خلال التصدي للهجوم.
ولفتت النظر إلى "فجوة" بين الأدلة على صدور أوامر عرّضت المحتجزين (الأسرى) للخطر، وبين غياب حصيلة تفصيلية تربط كل حالة وفاة بمصدر إطلاق النار والقرار العسكري الذي سبقها.
ونبهت "زيتيو" إلى أن تحقيق صحيفة "هآرتس" بشأن استخدام التوجيه أثبت وجود أوامر وشهادات، لكنه لم يتمكن من تحديد عدد من أصيبوا أو قُتلوا نتيجة تنفيذها.
غالانت: التوجيه أُعطي في بعض المواقع
ويبرز في هذا السياق تصريح وزير حرب الاحتلال السابق، يوآف غالانت، الذي كان يتولى الوزارة يوم 7 أكتوبر.
وقال غالانت في مقابلة مع القناة الـ "12" الإسرائيلية، يوم 6 فبراير 2025، إنه يعتقد أن التوجيه أُعطي تكتيكيًا في بعض المواقع، ولم يُعطَ في مواقع أخرى.
ويضيف التصريح شهادة من أعلى المستوى السياسي المسؤول عن الجيش آنذاك، لكنه لا يحدد نطاق التنفيذ أو حصيلته، ولا يتضمن في العبارة المنشورة إقرارًا بأنه أصدر شخصيًا أمرًا عامًا بتطبيقه.
وفي المقابلة نفسها، دعا غالانت إلى لجنة تحقيق رسمية تفحص أداءه وأداء رئيس الحكومة ورؤساء الأجهزة الأمنية، معتبرًا أن التأخر في وصول القوات إلى التجمعات المستهدفة يستلزم فحصًا يتجاوز التحقيق العسكري الداخلي.
من إيرز إلى منع المركبات من العودة
وفي تحقيق نشرته "هآرتس" في السابع من يوليو 2024، استنادًا إلى وثائق وشهادات جنود وضباط، ظهرت أوامر باستخدام "هانيبال" في ثلاثة مواقع عسكرية: معبر إيرز، قاعدة رعيم، وموقع ناحل عوز.
ووفق التحقيق، صدر عند الساعة 7:18 صباحًا أمر بتفعيل التوجيه في إيرز وإرسال مسيّرة هجومية، ثم تكرر الأمر عند الساعة 7:41، وعند الساعة 11:22، نُقل عبر شبكة اتصالات فرقة غزة أمر بمنع أي مركبة من العودة إلى القطاع.
ونقلت "هآرتس" عن مصدر في القيادة الجنوبية أن العسكريين كانوا يعرفون آنذاك أن بعض المركبات قد تحمل مدنيين أو جنودًا محتجزين.
ومع ذلك، لم تحسم الصحيفة عدد الضحايا الناتج عن هذه الأوامر، مؤكدة أن الأدلة المتراكمة تُظهر تعريض محتجزين للنيران الإسرائيلية حتى عندما لم يكونوا الهدف المباشر منها.
وقائع محددة وتحقيقات متباينة
ومن الوقائع التي تناولتها التحقيقات مقتل إفرات كاتس أثناء اقتيادها من تجمع "نير عوز"؛ ففي أبريل 2024، أعلن جيش الاحتلال أن تحقيقًا رجّح مقتلها بنيران مروحية استهدفت مركبة تقل مسلحين ومحتجزين، بعدما تعذر تمييز المحتجزين عبر أنظمة المراقبة.
وتثبت هذه النتيجة ترجيح مسؤولية النيران الإسرائيلية عن مقتلها، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن إطلاق النار جاء تنفيذًا مباشرًا لتوجيه "هانيبال".
وعلى المستوى الأممي، أورد تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة، الصادر عام 2024، معلومات ترجّح تطبيق التوجيه في واقعتين أخريين على الأقل، بما أدى إلى مقتل ما يصل إلى 14 مدنيًا إسرائيليًا.
ويظل الرقم (14 قتيلًا) مرتبطًا بالوقائع التي فحصتها اللجنة، وليس إحصاءً شاملًا لجميع من قتلوا بنيران الاحتلال الإسرائيلي في ذلك اليوم.
أما واقعة إطلاق دبابة النار باتجاه منزل في بئيري كان فيه محتجزون، فبقيت موضع خلاف؛ إذ لم يجد التحقيق العسكري الإسرائيلي المنشور في يوليو 2024 خطأً في قرار إطلاق النار.
وقال التحقيق إن الموجودين داخل المنزل لم يُصابوا بقذائف الدبابة، مع إقراره بالحاجة إلى مزيد من التحقيق لتحديد ظروف وفاتهم؛ وهي نتائج صادرة عن جيش الاحتلال الذي نفّذ العملية، ما يجعل مطلب التحقيق المستقل أساسيًا لحسم المسؤوليات.
توجيه أُلغي رسميًا وعاد ميدانيًا
وتعود نشأة "هانيبال" إلى عام 1986، في سياق مواجهة أسر جنود إسرائيليين في لبنان، ويقوم على استخدام القوة لإحباط نقل الجندي إلى الأسر، حتى مع تعريض حياته للخطر، وهو ما أثار خلافًا حول الحدود بين منع الأسر والمجازفة بقتل الأسير نفسه.
وفي يونيو 2016، قرر رئيس أركان الجيش آنذاك غادي آيزنكوت، إلغاء التوجيه، وسط تباين في فهم مضمونه بين العسكريين.
ولهذا، فإن الحديث عن استخدامه في أكتوبر 2023 يثير سؤالًا إضافيًا بشأن الأوامر التي كانت نافذة، وكيف استُخدم الاسم والمنطق العملياتي المرتبط به بعد إلغائه رسميًا.
وللتوجيه خلفية دامية في قطاع غزة أيضًا، فقد وثّقت منظمة العفو الدولية ومؤسسة "فورنسيك أركيتكتشر" الهجوم على رفح بين الأول والرابع من أغسطس 2014، عقب أسر الضابط هدار غولدن وتفعيل "هانيبال".
وخلص تحقيق المؤسستان إلى استشهاد ما لا يقل عن 135 مدنيًا فلسطينيًا في الهجمات، ووجود أدلة على جرائم حرب، محذرًا من أن نمط التوجيه قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
المساءلة تتجاوز سؤال العدد
ويربط تحقيق "زيتيو" إعادة فتح الملف بمطالب عائلات إسرائيلية بمعرفة ظروف مقتل أقاربها، كما يوجّه نقده إلى وسائل إعلام غربية يرى أنها لم تمنح الأدلة والشهادات المتعلقة بـ "هانيبال" ما تستحقه من متابعة.
وهكذا، يبقى السؤال أوسع من البحث عن رقم: من أصدر أوامر إطلاق النار؟ وما المعلومات التي كانت متاحة له عن المحتجزين؟ وكيف قُدّرت المخاطر على حياتهم؟ فإثبات استخدام التوجيه لا يحدد تلقائيًا عدد ضحاياه، لكن غياب الحصيلة لا يغلق ملف المسؤولية عن الأوامر ونتائجها.
