ثلاث سنوات متواصلة من حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على قطاع غزة، لم تترك لجهاز الدفاع المدني سوى جزء ضئيل من مقوماته التشغيلية، لكنها لم تنجح في إنهاء دوره الإنساني، رغم التدمير الممنهج لمراكزه ومركباته، واستشهاد وإصابة المئات من عناصره وتعطل منظومة الإطفاء والإنقاذ.
في مواجهة هذه المأساة، وجد رجال الدفاع المدني أنفسهم أمام مهمة شبه مستحيلة؛ تتلخص في إنقاذ الأحياء وانتشال الشهداء من بين ملايين الأطنان من الركام، وسط انعدام المعدات والوقود وقطع الغيار، وتصاعد المخاطر الميدانية.
ويكشف المسؤول عن ملف الشؤون الإنسانية والدعم الإنساني في جهاز الدفاع المدني بقطاع غزة، محمد المغير، في مقابلة خاصة مع "وكالة سند للأنباء" عن حجم الكارثة التي عصفت بالطواقم منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وكيف تحولت مهام الإنقاذ من عمليات طارئة تُنجَز في ساعات إلى معارك استنزاف تمتد أيامًا وأسابيع وسط استهداف مباشر للمنقذين وانهيار تدريجي للإمكانات.
استنزاف الكوادر واستهداف مباشر
يوضح المغير أن الحرب لم تستهدف الإنسان الفلسطيني فحسب، بل طالت المؤسسات والطواقم التي تحاول إنقاذ حياته؛ ما جعل مجرد الوصول إلى أماكن القصف وإجلاء المصابين مهمة شديدة الخطورة يدفَع فيها المنقذون أرواحهم ثمناً لإنقاذ الآخرين.
ويكشف المغير عن تقديم الجهاز 145 شهيدًا من كوادره، إلى جانب إصابة 347 عنصرًا، بينهم مصابون بإعاقات دائمة، فيما تعرضت الطواقم للاستهداف المباشر 38 مرة أثناء تنفيذ عمليات الإنقاذ الميدانية.
ولم تقف الخسائر عند حدود الاستهداف العسكري، بل واجه الجهاز استنزافًا لكوادره بفعل النزوح والحصار الممتد، فضلاً عن الأعباء النفسية الجسيمة الناتجة عن التعامل مع مجازر طالت عائلات بأكملها، وانتشال أطفال ونساء بعد أيام من القصف في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الحماية والدعم النفسي.
شلل الهيكلية والقدرات التشغيلية
ويصف المغير ما حل بمقدرات الدفاع المدني بأنه أحد أخطر التحديات في تاريخ الجهاز، مؤكدًا أن حجم الدمار جعل القدرة التشغيلية المتبقية أدنى بكثير من حجم الاحتياجات الإنسانية الهائلة.
إذ تعرضت 94% من مقرات ومراكز الدفاع المدني للتدمير الكامل أو الجزئي، بينما خرجت 39 مركبة عن الخدمة بصورة نهائية، وتحتاج 45 مركبة أخرى إلى صيانة عاجلة، يُضاف إلى ذلك فقدان التجهيزات التخصصية وتدمير ورش الصيانة.
وتُظهر إحصاءات الجهاز الرسمية أنه تلقى خلال أول ألف يوم من الحرب 191 ألفًا و43 نداء استغاثة، لم يتمكن من الاستجابة إلا لنحو 49.8% منها فقط، نتيجة نقص الوقود والدمار وتغييب المعدات.
ورغم هذا الشلل الإجباري، نفذت الطواقم خلال الفترة ذاتها 186 ألفًا و269 عملية إنقاذ، و177 ألفًا و86 عملية إسعاف، بالإضافة إلى تنفيذ 25 ألفًا و293 عملية إطفاء.
ويستحضر المغير إحدى أصعب محطات العمل الميداني خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في مخيم جباليا وبلدتي بيت لاهيا وبيت حانون شمالي قطاع غزة، حيث تلازم القصف مع الحصار الخانق ومنع الإمدادات واستهداف المركبات.
ويؤكد أن الطواقم صمدت في شمال القطاع عبر إنشاء نقاط ميدانية بديلة والاعتماد على ما تبقى من فرق ومعدات زاهدة للوصول للضحايا رغم إغلاق الطرق وتوغل الآليات الإسرائيلية.
ويروي المغير أن شح الوقود أجبر الفرق على ترتيب أولويات الاستجابة وفق الخطورة والإمكانية الميدانية، مشيرًا إلى أن العمل توقف تمامًا في بعض الفترات نتيجة كثافة الاستهداف الذي طال حتى الآليات الثقيلة و"الكباشات" المُستخدمة في فتح الطرق وانتشال العالقين وخدمة النازحين.
ظاهرة تبخر الجثامين وأسلحة غير مألوفة
وفي واحد من أكثر الملفات خطورة، يسلط المغير الضوء على طبيعة الأسلحة والذخائر الفتاكة المستخدمة في استهداف الأسر الآمنة، موضحًا أن فرق الإنقاذ رصدت ظاهرة غير مألوفة تتمثل في "تبخر جثامين بعض الضحايا" نتيجة استخدام أسلحة ذات تأثير حراري فائق.
ويوضح أن الطواقم جزمت بوجود مواطنين داخل المباني المستهدفة، لكنها لم تعثر عقب عمليات البحث إلا على بقايا احتراق محدودة أو رفات غير قابلة للتعرف عليها، مؤكدًا أن هذه الحالات تستوجب تحقيقات دولية متخصصة للكشف عن طبيعة تلك الذخائر، في ظل انعدام الفحوص الجنائية والمختبرات المتطورة بالقطاع، ناهيك عن الخطر الدائم المتمثل في انتشار الذخائر والشرائح غير المنفجرة بين الأنقاض، والانبعاثات السامة، والانهيارات الفجائية.
8 آلاف جثمان تحت الأنقاض وتحديات الانتشال
ويشدد أن ملف الشهداء والمفقودين تحت الأنقاض يشكل جرحًا إنسانيًا مفتوحًا، حيث تنتظر آلاف العائلات دفن أبنائها بكرامة، في وقت لا يزال فيه أكثر من 8 آلاف جثمان عالقاً تحت الأنقاض في مختلف المحافظات.
ويشرح المغير معقدات العمل، مؤكدًا أن عملية البحث تبدأ قبل تشغيل الحفارات عبر الاستدلال بشهادات الأسر ومخططات المباني ورصد الطوابق المنهارة. ويُبدي أسفه لأن بعض مواقع القصف تعود للأشهر الأولى من الحرب، ما يجعل التعرف على الرفات معقدًا جدًا.
ويشير إلى أنه خلال عام 2026، نجحت الفرق في تنفيذ مشاريع انتشال استخرجت خلالها مئات الجثامين من أحياء التاج والصبرة والزيتون ومخيم النصيرات باستعمال عدد محدود من الآليات وبالتعاون مع جهات محلية، إلا أن نقص الوقود واستهلاك المعدات أدى لتباطؤ هذه العمليات واضطرار الفرق لوقف العمل قسراً في عدة مواقع.
حصار المشتقات النفطية وقطع الغيار
ويحذر من أن منع الاحتلال المتعمد لإمدادات الوقود والمستلزمات التشغيلية يضع خدمات الدفاع المدني على شفا التوقف الكامل، لا سيما في مدينة غزة التي شهدت تصعيداً متواصلاً.
وينبّه إلى أن الأزمة لا تقتصر على السولار فحسب، بل تتعداه إلى انعدام زيوت المحركات والفلاتر والإطارات والبطاريات وقطع الغيار الضرورية لإدامة عمل المركبات المتهالكة التي استُهلكت في آلاف التدخلات، وهو ما يفسر عدم القدرة على تشغيل آليات كثيرة رغم أنها لم تُدمر كليًا.
ويؤكد أن المخاطر لا تنتهي مع توقف الغارات؛ إذ يُواجه السكان تهديدات المباني الآيلة للسقوط، والقنابل غير المنفجرة، والحفر العميقة، والطرق المنهارة.
ويرى المغير أن هذه التبعات تفرض أعباءً مضاعفة على جهاز خسر معظم مقدراته وتحولت وظيفته الأساسية من الاستجابة السريعة للحوادث إلى إدارة كارثة إنسانية ممتدة، لافتًا إلى أن إعادة بناء قدرات الدفاع المدني وتزويده بالمعدات الثقيلة والوقود يمثل أولوية قصوى لحماية أرواح الأحياء، وانتشال الضحايا، وصون كرامه الشهداء وعوائلهم.
