لم يعد أطفال عائلة أبو وادي في قرية الضحية مسلوبة الاعتراف بالنقب المحتل إلى أسرتهم وغرفهم المعتادة عقب انقضاء يومهم المدرسي، بعدما استحالت منازلهم ركامًا بفعل جرافات الاحتلال الإسرائيلي التي أتت على جميع مساكن الحي، مخلّفة المئات من الأهالي، غالبيهم من الأطفال وكبار السن، بلا مأوى.
وباتت الحقائب المدرسية الشاهد الوحيد على صباح مفصلي تبدلت فيه معالم الحياة؛ إذ تحول التوجه المعتاد إلى المقاعد الدراسية إلى رحلة عودة لركام يختزل قسوة سياسات الهدم بالنقب حين تُسلب من الصغار قبل الكبار أدنى مقومات الأمان والاستقرار.
وصباح أمس الاثنين، أقدمت جرافات الاحتلال على تدمير نحو 80 منزلاً تقطنها عائلة أبو وادي في القرية، ما أسفر عن تشريد مئات الفلسطينيين وسط مخاوف متصاعدة من اتساع رقعة الاستهداف لطال عشرات العائلات الأخرى وممتلكاتها.
وفي شهادة من قلب الركام، يؤكد المواطن عدنان أبو وادي أن آليات الاحتلال نسفت كافة المساكن وجعلت زهاء 600 مواطن، معظمهم أطفال ونساء ومسنون، في العراء، مشيرًا إلى أن ما جرى يأتي ضمن مخطط يرمي إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتهجيرهم قسرًا.
ويوضح أبو وادي لـ "وكالة سند للأنباء" أن أسرته المكونة من ستة أفراد، بينهم أربعة أطفال، باتت بلا ملاذ سوى الخيام عقب تسوية آليات الاحتلال للقرية بالأرض، بما في ذلك المساكن والمسجد وكافة مرافق التجمع غير المعترف به إسرائيليًا.

ويكشف عن محاولات حثيثة بذلها الأهالي على مدار أربع سنوات للحصول على تراخيص بناء، غير أن السلطات الإسرائيلية قابلتها بالرفض لمجرد كونهم فلسطينيين، لتتوج ذلك بهدم منازل شُيّد بعضها قبل عام 1948.
ويشير إلى أنه كان يقطن في بيت ورثه عن والده وجده المقيمَيْن على الأرض قبل نشأة الاحتلال، ليُتفاجأ بتذرع السلطات بأن الهدم جرى بداعي الوقوع ضمن أراضي دولة.
ويفيد أبو وادي بأن العائلات أضحت مكرهة على التشبث بالخيام للعيش في ظروف معيشية قاسية رغم خشيتها القائمة من معاودة الهدم، مبينًا أن الإجراءات الراهنة تتجاوز مفهوم إزالة المباني لتشكل قراراً بالترحيل المباشر.
ويستذكر مساعي الأهالي قبل ستة أعوام لحراثة أراضيهم وزراعتها بتكاليف باهظة، مشددًا أن تلك الجهود لم تشفع لهم أمام سياسة الملاحقة والاستهداف الممنهج لطمس الوجود العربي والاستيلاء على الأرض.
ويجدد أبو وادي تمسك السكان بأرضهم ورفضهم القاطع للرحيل، جازماً بأن البقاء في القرية خيار لا رجعة عنه، وأن تدمير البنية التحتية لن يقطع أواصر ارتباطهم التاريخي وحقهم الأصيل في أرضهم.


من جانبه، يصرح رئيس المجلس الإقليمي للقرى مسلوبة الاعتراف في النقب، عطية الأعسم، لـ "وكالة سند للأنباء"، أن ما تعرضت له قرية الضحية يندرج في سياق الانتهاكات المتواصلة التي تقترفها الحكومة الإسرائيلية بحق القرى العربية غير المعترف بها.
ويرى الأعسم أن هذه الممارسات تستهدف المكون الفلسطيني بالنقب في صمته ووجوده، مهددة حق المواطنين الثابت في البقاء والاستقرار.
وينبّه إلى سعي السلطات الإسرائيلية لتوظيف عمليات الهدم في المزايدات الانتخابية لتعزيز موقع اليمين الإسرائيلي، فضلاً عن فرض السيطرة على الأراضي وإفراغها من قاطنيها الأصليين، تمهيدًا لتنفيذ مخططات ترحيل تطال جزءاً من السكان إلى خارج حدود الوطن.
ويلفت إلى استخدام أدوات قاسية ومهينة لأجل تنفيذ هذه المخططات، معربًا عن ثقته بصمود الأهالي وإصرارهم على مواجهة أوامر الترحيل رغم تراكم الضغوط.
ويوضح الأعسم أن تجريف الضحية يمثل جزءًا من استراتيجية أشمل تستهدف القرى مسلوبة الاعتراف، حيث تُلاحق التجمعات بأوامر هدم متتالية بدعوى البناء دون ترخيص، في ظل حرمان شامل من الاعتراف الرسمي والخدمات الأساسية.
ويحذّر من أن استمرار هذا النهج يهدد بتشريد مزيد من الأسَر وتفاقم المعاناة الإنسانية والاجتماعية بالمنطقة، داعياً إلى وقف فوري لعمليات الهدم، والاعتراف الفعلي بحقوق السكان، وتوفير مقومات السكن الآمن للحفاظ على الوجود التاريخي للفلسطينيين.


ويسلّط الأعسم الضوء على لجوء السكان المحيطين بالقرية إلى المحاكم الإسرائيلية لانتزاع حق البقاء، مستدركًا بأن تلك المحاكم تحولت إلى أداة بيد الحكومة لتكريس التنكيل بدلاً من أن تكون منصة لإحقاق العدالة.
ويشدد أن رفض الالتماسات وشرعنة عمليات الهدم يُعمقان المعاناة الميدانية ويكرّسان واقع التمييز البنيوي الذي يهدد أصل القرى العربية ومستقبل قاطنيها.
وفي سياق متصل، وقالت لجنة التوجيه العليا لعرب النقب، إنّ هدم عشرات المنازل ومسجد قرية أبو وادي (الضحية) الواقعة شمال مدينة رهط، إلى جانب اقتلاع الأشجار، يمثل جريمة نكراء تهدف إلى محو القرية وإزالة وجودها.
وعَدّت اللجنة هذا السلوك تصعيدًا خطيرًا لسياسات الاقتلاع الموجهة ضد الوجود العربي، مبيّنة أن القرية تُعد تجمعًا زراعيًا عريقًا ارتبط أهله بالأرض عبر أجيال، وأن مساس آليات الاحتلال بالمنازل والمسجد والغطاء النباتي يطال الكرامة الإنسانية والحق في الحياة الآمنة.
وطالبت اللجنة بالوقف الفوري لإجراءات الهدم، وحمّلت الحكومة الإسرائيلية التبعات الناجمة عن تشريد العائلات وتدمير أرزاقهم، داعية الجماهير العربية وقياداتها والمؤسسات الحقوقية إلى إسناد المتضررين وتوفير المأوى الطارئ لهم.
وأكدت اللجنة أن المخرج العادل يكمن في الاعتراف الكامل بالقرى غير المعترف بها وتنظيمها وتوفير المقومات الكريمة للعيش بدلاً من نهج التدمير والتهجير، داعية إلى إطلاق خطوات احتجاجية سلمية لمواجهة هذه السياسات.
وتضم المنطقة وقضاؤها 36 قرية مسلوبة الاعتراف تحرمها سلطات الاحتلال من الاعتراف الرسمي والخدمات الأساسية، في حين يبلغ عدد المواطنين الفلسطينيين في النقب حاليًا زهاء 350 ألف مواطن.
وعشية النكبة عام 1948، كان يقطن النقب 111 ألف فلسطيني، هُجر معظمهم وبقي منهم ما يقارب 13 ألفاً فقط.
ووفقًا لمعطيات حقوقية، هدمت السلطات الإسرائيلية أكثر من 27 ألف مبنى في قرى النقب بين عامي 2013 و2024، حيث شهد عام 2024 وحده هدم 4911 مبنى، مقارنة بـ 3283 مبنى هُدمت خلال عام 2023، ما يؤشر إلى تصاعد ملحوظ في وتيرة الهدم عقب اندلاع الحرب على قطاع غزة.
