انتقد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما سياسات حكومة الاحتلال الإسرائيلي الحالية تجاه الفلسطينيين، معتبرًا أنها تخلّت عن أرضية أخلاقية، ومحذرًا من أن الرهان على التفوق العسكري ورفض تقديم التنازلات لن يحقق الأمن والاستقرار على المدى البعيد، مهما حقق من مكاسب مؤقتة.
وقال الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، إن سعي اليهود إلى ملاذ من الاضطهاد لا يلغي حقيقة استيلائهم على أراضي أناس آخرين، في إشارة إلى الشعب الفلسطيني، معتبرا أن مطالبة أصحاب الأرض باستعادتها رد مفهوم على الظلم، ومنتقدا نهج حكومة الاحتلال الإسرائيلي القائم على القوة ورفض التنازلات.
جاءت تصريحات أوباما، خلال حوار أجرته معه الصحافية والكاتبة سوزان مكاي في بلفاست، مساء أمس الثلاثاء، ضمن جولة لقاءات جماهيرية تشمل أيضا غلاسكو ومانشستر.
وبحسب ما نقلته مجلة "هوت برس" الإيرلندية، استحضر أوباما تاريخ اضطهاد اليهود، ومسؤولية أوروبا عن جانب كبير منه، قبل أن يؤكد أن ذلك لا ينفي ما لحق بأصحاب الأرض الفلسطينيين.
وقال أوباما "لقد استولى اليهود على أراضي أناس آخرين وتجاوزوا الحد، وهؤلاء الناس (الفلسطينيين)، يقولون: "هذا ظلم وأريد استعادة أرضي"، وهو أمر مفهوم".
وانتقد أوباما تصورا إسرائيليا يجعل التفوق العسكري والتكنولوجي مبررا لأخذ ما تريده "إسرائيل" وفرض خياراتها دون تقديم تنازلات، معتبرا أن هذا النهج قد يحقق نتائج قصيرة الأجل، لكنه يفقدها الأساس الأخلاقي لموقفها، وفق تعبيره.
واعتقد أن الحكومة الإسرائيلية الحالية متبنية لهذا التوجه، وعليها إدراك أن سبعة ملايين فلسطيني لن يرحلوا.
ودعا أوباما الإسرائيليين إلى إعادة التفكير في مستقبل أبنائهم وأحفادهم في المنطقة، وفي كيفية تحقيق الأمن مع الالتزام بالعدالة والأخلاق، مشيرا إلى أن معارضة سياسات بنيامين نتنياهو لا تعني أن جميع الإسرائيليين يؤيدون حكومته، وفق قوله.
ووفق تغطية صحيفة "آيرش تايمز"، حدّد أوباما أولويات عاجلة تتمثل في تخفيف المعاناة، وإنهاء ما وصفه بـ"العنف"، ووقف التوسع الإسرائيلي المتواصل في الضفة الغربية، إلى جانب مساعدة غزة على إعادة الإعمار، لكنه ربط تحقيق ذلك بانخراط أميركي فاعل، مبدياً تشاؤمه من توفر هذا الدور قريبا، في انتقاد ضمني لإدارة الرئيس دونالد ترامب.
وتأتي تصريحات أوباما في مناخ تتسع فيه مساحة التعاطف مع الفلسطينيين داخل الولايات المتحدة، بما يتجاوز الأوساط الناشطة تقليديا في دعم قضيتهم، فقد أظهر استطلاع "غالوب" المنشور في فبراير 2026 أن 41% من الأميركيين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36% مع الإسرائيليين، بعدما كانت الكفة تميل إلى إسرائيل بنسبة 46% مقابل 33% قبل عام.
ورغم أن الفارق الأخير لا يُعدّ دالًا إحصائيًا، فإن التحول ينهي تقدما إسرائيليا استمر طوال ربع قرن من قياسات المؤسسة. ويبرز هذا التغير بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا، إذ بلغ التعاطف مع الفلسطينيين 53% مقابل 23% مع الإسرائيليين، فيما وصل بين الديمقراطيين إلى 65%، وبين المستقلين إلى 41%، وأيّد 57% من الأميركيين إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وعالميًا، يترافق اتساع التأييد للحقوق الفلسطينية مع تراجع صورة "إسرائيل" في مجتمعات غربية كانت تمثل رصيدا مهمًا لدعمها. وأظهر استطلاع لمركز "بيو"، نُشر في يونيو 2026 وشمل 36 دولة، أن أغلبية المستطلَعين في معظم الدول تنظر إلى "إسرائيل" بصورة سلبية، وبلغت هذه النسبة 78% في إسبانيا، و73% في ألمانيا، و69% في بريطانيا، و68% في فرنسا.
وازدادت النظرة السلبية في 13 دولة من أصل 24 توفرت عنها بيانات مقارنة مع العام السابق، بما يكشف اتساع أزمة "إسرائيل" لدى الرأي العام خارج المنطقة العربية والإسلامية. وعلى المستوى السياسي، شكّلت اعترافات بريطانيا وكندا وأستراليا وفرنسا بدولة فلسطين في سبتمبر 2025 خطوة بارزة نحو تثبيت الحق الفلسطيني في دول تربطها بـ"إسرائيل" علاقات وثيقة.
وفي ضوء هذه التحولات يمكن قراءة حديث أوباما عن انتزاع الأرض وتفهّم مطالبة أصحابها باستعادتها بوصفه مؤشرا على وصول عناصر أساسية من الرواية الفلسطينية إلى خطاب شخصيات من قلب المؤسسة الأميركية، فالقضية تحضر هنا باعتبارها قضية أرض وحقوق وتاريخ من الاقتلاع، تتجاوز الاستجابة الإنسانية لمشاهد الحرب.
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار السياسات الإسرائيلية القائمة على التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وفرض القيود على الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، إلى جانب التداعيات الكارثية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما خلفته من دمار واسع وخسائر بشرية وأزمة إنسانية حادة.
ويُبقي استمرار الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية، وفي مقدمتها تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة، الصراع مفتوحًا أمام مزيد من التصعيد.
