الساعة 00:00 م
الأربعاء 14 أكتوبر 2026
23° القدس
21° رام الله
22° الخليل
27° غزة
4.08 جنيه إسترليني
4.34 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.44 يورو
3.08 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

مخطط تغييب "أونروا".. تقليصات مالية واستبعاد سياسي يهددان حق العودة

خاص بالفيديو سوقٌ يتوارث الحياة.. حبوب خان يونس تقاوم الحرب والغياب

حجم الخط
سوق الحبوب في خانيونس
غزة - وكالة سند للأنباء

لا تُقاس حكاية الصمود في سوق الحبوب بخانيونس جنوب قطاع غزة بما تبقّى على الرفوف من بضائع، بل بما نجا من ذاكرة المكان وإصرار أهله على إبقاء أبوابه مفتوحة، رغم حربٍ بدّلت ملامحه وأثقلت كاهل تجاره.

هنا، حيث تتعانق الحكايات مع رائحة الحبوب، تتوارث عائلات فلسطينية مهنة البيع أبًا عن جد، محاولةً إنقاذ سوقٍ عريق من الغياب، فيما يتراجع المشترون تحت وطأة الدمار والخوف من إطلاق النار القريب.

طفولةٌ بين الحبوب

وعلى مقربة من البضائع، يجلس الطفل أحمد بسام النجار، البالغ من العمر 11 عامًا، منشغلًا بتلاوة القرآن، فيما ينتظر وصول أحد الزبائن لشراء الحبوب والدواجن من محل والده.

مشهدٌ بسيط في ظاهره، لكنه يختصر جانبًا من حياة السوق اليوم؛ فبدلًا من ضجيج المشترين وحركة التجارة التي عرفها المكان لعقود، بات الانتظار جزءًا من يوميات الباعة، وبات الحفاظ على المهنة تحديًا يوميًا في وجه الحرب.

في هذا المكان، لا تبدو حكاية أحمد منفصلة عن حكاية والده وأجداده؛ فالطفل الذي يجلس اليوم في محل العائلة، ينتظر الزبائن بينما يتلو القرآن، يشهد جانبًا من إرثٍ مهني توارثته الأسرة عبر الأجيال.

ويقول أحمد إن والده ورث العمل في السوق عن والده، الذي ورثه بدوره عن والده، في امتداد عائلي لمهنة البيع داخل السوق.

إرثٌ ممتد

منذ نحو أربعين عامًا، يعمل ناهد بربخ بائعًا في سوق الحبوب، مستكملًا مسيرةً ورثها عن والده، الذي ورثها بدوره عن أجداده، في سلسلة مهنية يقدّر امتدادها بنحو 120 عامًا.

ويقول "بربخ" إن السوق يُعد من أقدم أسواق قطاع غزة، وتكتسب المنطقة المحيطة به أهمية تاريخية لوجود قلعة برقوق، إحدى أبرز المعالم الأثرية في خان يونس، التي ارتبطت تاريخيًا بحركة التجارة والقوافل.

ويستعيد بربخ أيام ازدهار السوق، حين كانت القوافل تأتي يوم الخميس من سيناء والنقب ومناطق أخرى، حاملةً البضائع إلى سوق الخميس، الذي كان يعج بالتجار والسلع، ويشكّل محطةً تجاريةً بارزة في المنطقة.

ويضيف أن السوق شهد حروبًا وأحداثًا متعاقبة، لكن ما عاشه خلال حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 كان مختلفًا، واصفًا ما حلّ به بأنه "مصيبة كبرى"، بعدما طالت آثار الحرب الحركة التجارية وأثقلت حياة التجار.

حربٌ تضرب التجارة

أما البائع محمد البيوك، فيتحدث عن حجم الخسائر التي لحقت بالسوق جراء الحرب، مشيرًا إلى أن الدمار أصاب المكان وأضعف الحركة التجارية، فيما يفاقم قربه من ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" المخاوف على حياة التجار والمواطنين.

ويقول البيوك إن السوق يبعد نحو 300 متر عن الخط الأصفر، لافتًا إلى أن إطلاق النار يصل إلى المنطقة، الأمر الذي يحدّ من إقبال الناس ويجعل الوصول إلى السوق محفوفًا بالمخاطر.

وبين آثار الدمار وتراجع أعداد المشترين والخوف من الرصاص، يجد التجار أنفسهم أمام معادلة قاسية: محاولة توفير مصدر رزق لعائلاتهم، مع الإصرار على إبقاء محالهم مفتوحة في مكانٍ لم تعد الحركة فيه كما كانت قبل الحرب.

ولا يقتصر أثر ذلك على أصحاب المحال وحدهم، بل يمتد إلى دورة الحياة اليومية التي كان السوق يغذيها؛ فكلما تراجعت حركة البيع والشراء، ضاقت فرص العمل وتقلصت قدرة العائلات على تأمين احتياجاتها، في وقتٍ يرزح فيه سكان قطاع غزة تحت أعباء النزوح والدمار والأزمة الاقتصادية.

أسواقٌ مدمّرة

وتأتي معاناة سوق الحبوب في خان يونس ضمن مشهد أوسع من الدمار الذي أصاب البنية التجارية والاقتصادية في قطاع غزة خلال حرب الإبادة الإسرائيلية.

فقد أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في أيار/مايو 2024، أن نحو 95% من المنشآت الاقتصادية في القطاع توقفت عن العمل كليًا، بفعل القصف والتدمير وتداعيات الحرب.

وفي تحديثه السنوي لإحصائيات عام 2025، قدّر المكتب الخسائر الأولية المباشرة في 15 قطاعًا حيويًا بأكثر من 33 مليار دولار، في مؤشر إلى اتساع الأضرار التي طالت مختلف مقومات الحياة والاقتصاد في القطاع.

ورغم أن هذه البيانات لا تحدد عدد الأسواق المدمرة على نحو منفصل، فإنها تعكس حجم الانهيار الذي أصاب النشاط التجاري والمنشآت الاقتصادية، في وقتٍ تعرضت فيه الأسواق المركزية والمحال التجارية في مناطق عدة من القطاع لأضرار واسعة أو دمار كامل.

وفي سوق الحبوب بخان يونس، لا تزال المحال التي يواصل أصحابها العمل شاهدةً على محاولة انتزاع الحياة من بين آثار الحرب؛ فهنا، لا يقتصر الصمود على فتح باب متجر أو عرض بضاعة للبيع، بل يمتد إلى حماية إرثٍ عائلي وتاريخٍ تجاري، والإبقاء على خيطٍ يصل الأجيال بعضها ببعض، مهما ضاقت المساحة وقلّ الزبائن واشتدّ الخوف.