برزت "أم القنابل" بوصفها واحدة من أضخم الأسلحة التقليدية في الترسانة الأمريكية، ضمن الحسابات العسكرية المرتبطة بإيران، بعد استخدامها في أفغانستان عام 2017، لكن قدرتها التدميرية الواسعة لا تعني بالضرورة قدرتها على اختراق أعمق المنشآت المحصّنة.
وتعود القنبلة الأمريكية المعروفة باسم "جي بي يو-43/ بي" (GBU-43/B)، والمعروفة إعلاميًا بـ "أم القنابل"، إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعد تقارير نشرتها شبكة "CNN"، تحدثت عن إدراجها ضمن خيارات عسكرية أمريكية محتملة لاستهداف منشآت طاقة ومواقع نووية إيرانية، في حال صدر قرار رئاسي باستئناف العمليات القتالية.
ولا يعني طرح هذا الخيار أن قرارًا باستخدام القنبلة قد اتُّخذ بالفعل؛ إذ أشارت التقارير إلى استمرار التساؤلات داخل الأوساط العسكرية بشأن مدى قدرتها على تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأمريكية، خصوصًا فيما يتعلق بالمنشآت النووية المحصّنة.
هذه "أم القنابل" وهكذا تعمل..
تحمل القنبلة الاسم الرسمي "ماسيف أوردننس إير بلاست" (Massive Ordnance Air Blast)، ويُختصر إلى MOAB، وهو اسم يشير إلى سلاح ضخم مخصص لإحداث انفجار جوي واسع النطاق.
وتُصنّف ضمن الأسلحة التقليدية غير النووية، وتُعد أكبر قنبلة جوية غير نووية في الترسانة الأمريكية من حيث الحجم والوزن.
وقد طُوّرت لتوفير قدرة تدميرية واسعة ضد أهداف مكشوفة أو مناطق تضم تحصينات وكهوفاً وأنفاقاً، مع الاعتماد على توجيه دقيق للوصول إلى المنطقة المستهدفة.
تزن "أم القنابل"؛ وهي قنبلة عصف جوي، نحو 8482 كيلوغرامًا من مادة "H6" شديدة الانفجار، وطولها يبلغ 9.1 أمتار بقطر 103 سنتيمترا، موجهة بالأقمار الصناعية وتُلقى بمظلة من طائرة نقل عسكرية.
تنفجر القنبلة قبيل الارتطام بالأرض، وتولد موجة صدم واسعة، ويصل عمق اختراقها إلى نحو 60 مترًا قبل انفجار رأسها الحربي.
وقد طُوّرت خلال حرب العراق ودخلت الخدمة عام 2003، وقال مسؤولون عسكريون حينها إنها صُممت أساسًا للعمليات النفسية وإرباك القوات المقابلة.
وكان دونالد ترامب أول رئيس أمريكي يأذن باستخدامها فعليًا، ضد مواقع لتنظيم الدولة في أفغانستان عام 2017، في ضربة استهدفت أنفاقًا محصنة وأسفرت عن مقتل 36 من عناصر التنظيم، بحسب مسؤولين أفغان، ودون إصابات بين المدنيين.
وأثارت الضربة، حينها، تساؤلات حول ضرورة استخدام قنبلة بهذا الحجم، ويُرجَّح أن تتكرر الأسئلة ذاتها إن استُخدمت ضد إيران.
لهذا السبب عادت للواجهة..
تكتسب التقارير الأخيرة أهميتها من طبيعة الأهداف التي يجري الحديث عنها، إذ تشير إلى احتمال استخدام القنبلة ضد منشآت طاقة ومواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، في حال استئناف العمليات العسكرية الأمريكية.
غير أن إدراج السلاح ضمن الخطط المحتملة لا يحسم مدى ملاءمته لهذه الأهداف، فالقنبلة صُممت أساسًا لإحداث تأثير تدميري واسع، وليست سلاحًا متخصصًا في اختراق أعمق التحصينات تحت الأرض.
وبحسب تقرير "CNN"، نقلت الشبكة عن مصادر مطلعة على المناقشات العسكرية وجود شكوك بشأن قدرة القنبلة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأمريكية أو تغيير مسار المواجهة.
كما أشار التقرير إلى أن استخدامها قرب منشآت مدنية قد يثير مخاوف كبيرة بشأن الخسائر البشرية والأضرار التي تلحق بالبنية التحتية.
وتظل هذه النقطة أساسية في تقييم أي سيناريو محتمل؛ فحجم الانفجار وحده لا يحدد نجاح المهمة العسكرية، كما أن تدمير منشأة ظاهرة أو إلحاق أضرار بمحيطها لا يثبت بالضرورة تعطيل القدرات الموجودة داخل منشآت محصّنة أو مدفونة في أعماق الأرض.
هل هي الأقوى؟!..
على الرغم من شهرتها، فإن وصف "أم القنابل" بأنها الأقوى في العالم يحتاج إلى توضيح، فهي من أضخم الأسلحة الجوية التقليدية غير النووية في الترسانة الأمريكية، لكن ذلك لا يجعلها أقوى من الأسلحة النووية، ولا يعني أنها أكبر سلاح تقليدي من كل نوع طُوّر أو اختُبر عبر التاريخ.
كما أن القوة التدميرية لا تُقاس بالوزن وحده؛ إذ تتوقف النتائج على نوع المتفجرات، وآلية الانفجار، وطبيعة الهدف، والمسافة، ودرجة التحصين، والظروف المحيطة.
ومن هنا، فإن شهرة القنبلة تعكس اجتماع الحجم الهائل والحمولة المتفجرة والتأثير النفسي والإعلامي، أكثر مما تقدم حكمًا مطلقًا على قدرتها على تدمير أي هدف عسكري.
سلاح ضخم وحدود استراتيجية..
وتكشف العودة المحتملة لـ "أم القنابل" إلى الحسابات العسكرية الأمريكية عن الفارق بين امتلاك سلاح ذي تأثير تدميري واسع وبين القدرة على تحقيق هدف استراتيجي محدد.
فالقنبلة قادرة على إحداث أضرار كبيرة في نطاق تأثيرها، لكنها لا تضمن بمفردها تدمير منشآت نووية عميقة أو تغيير موازين الصراع.
وحتى 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 الجاري، يدور الحديث، وفق التقارير المنشورة، عن خطط وخيارات عسكرية محتملة، لا عن قرار معلن باستخدام القنبلة ضد إيران.
ولذلك تبقى دلالتها الأبرز في هذا السياق مرتبطة بما تكشفه عن طبيعة الخيارات المطروحة في حال استئناف القتال، وحدود الرهان على القوة التدميرية وحدها لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية.
