لم تكن عودة المسن الفلسطيني ثابت أبو خاطر إلى عائلته مجرد نهاية لشهور طويلة من الغياب، بل كانت افتتاحًا لمواجهة جديدة مع العجز والمرض؛ فقد غادر السجن بجسدٍ أنهكته الأوجاع وقدمٍ مبتورة، ليجد نفسه عاجزًا عن أداء أبسط التفاصيل اليومية التي كان يؤديها دون تفكير قبل اعتقاله.
يقلّب أبو خاطر، في حواره لـ "وكالة سند للأنباء"، الموظف السابق في دائرة الجمارك، صفحات هذا التحول المؤلم في حياته، مستذكرًا تفاصيل حياة فقدها خلف قضبان سجون الاحتلال، بعدما انتهى به الاعتقال إلى قدم مبتورة، وجسد أنهكه المرض، وحياة يومية باتت أبسط تفاصيلها مرهونة بمساعدة الآخرين، فيما لا يزال أحد أبنائه الذين اعتُقلوا معه أسيرًا خلف القضبان.
يقول بمرارة: "كنت أصحى الصبح وأمشي على رجليّ وأقضي حاجاتي لحالي، اليوم ما بقدر أقوم من فراشي لحالي".
فمنذ عودته إلى عائلته في خان يونس جنوب قطاع غزة، لم يعد قادرًا على ممارسة أبسط شؤونه؛ فالنهوض، والذهاب إلى دورة المياه، والتنقل، تحولت إلى أعباء ثقيلة في ظل ظروف النزوح القاسية وغياب المكان المهيأ لإعاقته.
ويروي حكاية الاعتقال والمرض وبتر القدم، مستعيدًا أسابيع واجه فيها تدهور صحته بعيدًا عن عائلته ودون إخبارهم بما يحدث له.

قدمه اسودّت.. ولم يجد الدواء
كان أبو خاطر يعمل موظفًا في الجمارك ويعاني من السكري، لكن حياته انقلبت في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2023 حين اعتقلته قوات الاحتلال من مدرسة إيواء في بلدة بني سهيلا شرقي خان يونس بعد مطالبتهم بإخلائها.
كان برفقة 59 شخصًا، واعُتقل معه ثلاثة من أبنائه، ولا يزال أحدهم رهن الاعتقال حتى اليوم.
داخل السجن، تدهورت حالته الصحية مع حرمانه الطويل من أدوية السكري. واضطر للسير حافيًا لعدم توفر الأحذية، لتتسلل الجروح إلى قدمه دون أن ينتبه بسبب مضاعفات المرض. ومع الوقت، تحول أحد أصابعه إلى اللون الأسود وتفاقمت الإصابة بمعزل عن عائلته، ودون وسيلة لإعلامهم بالخطر الذي يهدد قدمه.
لاحقًا، نُقل إلى مستشفى "برزلاي" الإسرائيلي، وأبلغه الأطباء بضرورة بتر القدم بعد إصابتها بـ "الغرغرينا".
واجه القرار وحده مخافة امتداد المرض لساقه، مستذكرًا بحسرة: "ما قدرت أحكي لأبنائي شو صار معي"، ولم يكن الألم محصورًا بفقدان القدم فحسب، بل بمواجهة مصير جسده بعيدًا عن أسرته.
قضاء الحاجة.. مهمة شاقة
بعد البتر، وجد أبو خاطر نفسه عاجزًا عن الحركة، ومضطرًا لطلب المساعدة في أبسط أموره الشخصية.
ويتذكر الأسرى الذين وقفوا معه وساعدوه للوصول إلى دورة المياه والعيادة للحصول على "الأكامول" كعلاج وحيد متاح.
وعلى الرغم من قسوة ظروفهم، حاول أولئك الأسرى إعانته في تلبية احتياجاته اليومية، فيما بقي معزولًا عن عائلته ومعتقلاً ومعه ابنه دون قدرة على الوقوف بجانبه.

معاناة لم تنتهِ
في 27 شباط/ فبراير 2025، أُفرج عنه بعد عام وشهرين من الاعتقال في حالة صحية متدهورة نتيجة نقص الطعام والشراب والدواء.
عاد بقدم مبتورة وجسد يحتاج لرعاية، ونُقل إلى مستشفى ناصر في خان يونس، غير أن الخروج منه لم يكفِ لاستعادة قدرته على الحركة.
صُدمت عائلته برؤيته؛ فالرجل الذي اعتاد الاعتماد على نفسه بات بحاجة لمن يسنده ويرافقه لقضاء حاجته.
ولم تعد العودة تعني استعادة حياته السابقة، بل حملت تبعات صحية ونفسية فرضت واقعًا جديدًا وسط ظروف النزوح المعقدة وتكبد العائلة عناء توفير أبسط الاحتياجات.
لم تتوقف المعاناة عند البتر، إذ وجد نفسه في مكان نزوح لا يلبي احتياجاته ولا يوفر له خصوصية الحركة. فغياب دورة مياه مهيأة يضاعف صعوبة حياته لاعتماده الكلي على غيره.
أما كرسيُّه المتحرك اليدوي فيتعرض لأعطال متكررة تزيد شعوره بالعجز، وهو ما يجعله بحاجة ملحة لكرسي متحرك كهربائي يمنحه استقلالية نسبية ويخفف اتكاله على أفراد أسرته.

حين يستعيد حياته السابقة، يتحدث عن أبسط الأشياء التي أصبحت بعيدة المنال؛ أن يستيقظ صباحًا ويمشي على قدميه ويقضي حاجاته بنفسه دون انتظار أحد. وتتجسد معاناته اليومية في تذكير مستمر بأن آثار الاعتقال رافقته لخارج الأسوار.
ويزيد غياب ابنه المعتقل من ثقل الأعباء، ليختتم أمنياته متطلعًا للحصول على كرسي كهربائي يعينه على الحركة، وتوفير ظروف معيشية تراعي إعاقته، وترقب عودة ابنه المتبقي خلف القضبان ليكمل لم شمل العائلة.
ويواجه آلاف الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر/ تشرين أول 2023؛ حيث تصاعدت سياسات الإهمال الطبي الممنهج والتجويع والتعذيب بشكل غير مسبوق.
وفقاً لتقارير حقوقية ونشطاء في مؤسسات الأسرى، يتعرض المعتقلون لانتهاكات جسيمة تشمل الحرمان الكامل من الرعاية الصحية الضرورية، ومصادرة الأدوية المزمنة، وتأخير العمليات الجراحية العاجلة، إلى جانب تفشي الأمراض الجلدية والمعدية في أوساطهم نتيجة الاكتظاظ الشديد، وانعدام أدوات النظافة الشخصية، وتقليص وجبات الطعام إلى مستويات تؤدي إلى سوء تغذية حاد وهزال شديد.
وتفرض سلطات الاحتلال عزلاً مضاعفاً على المعتقلين، وتمنع زيارات المحامين والطواقم الطبية الدولية والمؤسسات الحقوقية، وسط استمرار سياسة "الإخفاء القسري" بحق مئات المعتقلين من قطاع غزة، مما يتركهم ومصيرهم في مواجهة ظروف احتجاز غير إنسانية تسببت في بتر أطراف واستشهاد العشرات منهم داخل المعتقلات.
