يصعّد نشطاء في ميناء نيوارك-إليزابيث بولاية نيوجيرسي الأميركية تكتيكاتهم لوقف شحنات الأسلحة المتجهة إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، عبر تنظيم احتجاجات مباشرة، وتعقب السفن والشاحنات، والتواصل مع سائقي شاحنات الميناء وعماله.
وفي 3 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، اصطفت مجموعة من الشاحنات قرب مدخل ميناء نيوارك-إليزابيث، وكانت المقطورات تحمل أحذية قتالية ومكونات أسلحة، بينها 61 طناً من حلقات التشكيل المستخدمة في الطائرات العسكرية، متجهة إلى إسرائيل عبر سفينة تابعة لشركة «ميرسك» غادرت الميناء في ذلك الصباح.
وقبل تمكن سائقي الشاحنات من دخول الميناء وتحميل سفينة «ميرسك سنتوسا»، تحرك نحو 100 ناشط نظموا أنفسهم تحت شعار «حركة ميناء إليزابيث» (POEM).
وقال داني كريمر، الذي اعتُقل لاحقاً خلال إحدى فعاليات الحركة: «كانت الساعة متأخرة جداً من الصباح. لم تكن الشمس قد أشرقت بعد، وكان الظلام دامساً والجميع متعبين. صرخ أحدهم قائلاً: انطلقوا، انطلقوا، انطلقوا، انطلقوا».
ويُعد ميناء نيوارك-إليزابيث ثالث أكبر ميناء في الولايات المتحدة وأكبر ميناء على الساحل الشرقي. وأصبح الميناء هدفاً متكرراً للناشطين الذين يتابعون سلسلة إمداد الأسلحة إلى إسرائيل.
وتنطلق من مستودع قريب نحو 900 طن من البضائع البحرية، تمثل 91% من إجمالي الشحنات العسكرية المتجهة إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي والتي لا تمر عبر قاعدة عسكرية، قبل نقلها عبر الميناء.
وتدير هيئة موانئ نيويورك ونيوجيرسي الميناء، ويعين حكام الولايتين مفوضيها. ويقول منظمو الاحتجاجات إن هذا الهيكل يجعل الضغط على المسؤولين المنتخبين أكثر صعوبة، بسبب ابتعاد هيئة الموانئ عن المجتمع المحلي.
وقالت توفا فراي، وهي منظمة مخضرمة في «عمال الموانئ والمجتمعات من أجل فلسطين»، إن الهيئة لا تتدخل عادة في هذا النوع من القضايا السياسية، مضيفة أن الضغط قد يكون أكثر فاعلية في ملفات محلية داخل مدينة نيوارك.
وبدلاً من الاستراتيجيات الانتخابية أو التشريعية، تُخاض المعركة في ميناء نيوارك-إليزابيث عبر مسارين متوازيين؛ أولهما تنظيم العمال من جانب عمال الميناء والجماعات المؤيدة لفلسطين، وثانيهما تصعيد التحركات المباشرة التي تنفذها منظمة «حركة ميناء إليزابيث».
وتعمل المجموعتان بشكل مستقل، لكنهما تتشاركان هدفاً واحداً يتمثل في منع السفن من شحن أسلحة أميركية الصنع لدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.
احتجاجات مباشرة واعتقالات
خلال فعالية نظمت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، اندفع كريمر وناشطون آخرون إلى الشارع، ورفعوا لافتات، ووضعوا 15 كفناً رمزت إلى أطفال فلسطينيين قُتلوا في غزة. وفي إحدى لحظات الاحتجاج، بدأ أحد المشاركين بالعزف على مزمار القربة.
وأغلق النشطاء الطريق لنحو ساعة باستخدام مخاريط المرور وأجسادهم، ما أعاق دخول الشاحنات وأخر مغادرة سفينة «ميرسك». وقال كريمر إن التحرك كان بالغ الأهمية، وشعر المشاركون وكأن شيئاً يحدث بالفعل داخل الميناء.
وفي نهاية المطاف، أصدرت شرطة هيئة الميناء أمراً بتفريق المحتجين. واعتُقل أربعة أشخاص رفضوا الامتثال، بينهم كريمر، ووجهت إليهم تهمة الإخلال بالنظام العام. وبعد نحو عام، أُدين الأربعة بارتكاب مخالفة، شبهها كريمر بمخالفة مرورية، وحُكم عليهم بالخدمة المجتمعية.
وقال كريمر: «لم نقم بتفكيك حيلة الإمبريالية الأميركية بخطوة واحدة، لكننا على الأقل ألحقنا بها بعض الضرر».
وأوضح أن الاحتجاجات والمسيرات الجماهيرية تظهر المعارضة وتشكل تهديداً، لكن استمرارها من دون إجراءات مباشرة قد يؤدي إلى فقدان النفوذ. وأضاف أن النشطاء قرروا لذلك محاولة وقف شحنات الأسلحة بأنفسهم.
وفي ميناء نيوارك-إليزابيث، يستخدم النشطاء بيانات بوليصات الشحن لتتبع مواعيد مغادرة سفن شركتي «ميرسك» و«زيم»، وهما من أبرز شركات الخدمات اللوجستية التي تنقل أسلحة أميركية الصنع إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، ثم ينسقون تحركاتهم في التوقيت المناسب.
ميرسك وزيم في سلسلة الإمداد
تُعد شركة «ميرسك» الدنماركية الدولية لاعباً أساسياً في سلسلة التوريد التي تنقل المعدات العسكرية إلى إسرائيل، وقد استهدفتها حركة التضامن مع فلسطين منذ إطلاق حركة الشباب الفلسطيني حملة «اكشفوا أمر ميرسك» في يونيو/حزيران 2024.
وكشف بحث أجرته منظمة «أوكسفام» وحركة الشباب الفلسطيني أن شحنات «ميرسك» المنتظمة من ميناء نيوارك-إليزابيث تتضمن مكونات للرصاص والقنابل وقذائف الهاون.
وبين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ويوليو/تموز 2025، نقلت «ميرسك» نحو 3000 طن من مكونات الأسلحة إلى شركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية لتصنيع الأسلحة.
أما شركة «زيم»، وهي شركة النقل الأخرى التي تنقل الأسلحة من ميناء نيوارك-إليزابيث إلى دولة الاحتلال، فقد تأسست عام 1945 من جانب الوكالة اليهودية، وكانت مملوكة للدولة الإسرائيلية حتى خصخصتها عام 2003.
وتُعد «زيم» من شركات نقل الأسلحة الرئيسية في دولة الاحتلال، كما تستأجرها وزارة الجيش الإسرائيلية بصورة متكررة لتلبية أوامر الطوارئ.
وفي عام 2014، حقق منظمو التضامن مع فلسطين انتصاراً عندما رفض عمال موانئ على الساحل الغربي، ينتمون إلى الاتحاد الدولي لعمال الشحن والتفريغ (ILWU)، تفريغ سفينة تابعة لشركة «زيم» في ميناء أوكلاند. ولم تعد الشركة إلى الميناء منذ ذلك الحين.
وكانت توفا فراي قد عاشت على الساحل الغربي وشاركت في احتجاجات عام 2014 ضد «زيم»، لكنها قالت إن الوضع العمالي على الساحل الشرقي مختلف.
وأوضحت أن «الرابطة الدولية لعمال الموانئ» (ILA) تتولى إدارة الأحواض وتشغيل الرافعات وربط السفن في ميناء نيوارك-إليزابيث، بدلاً من الاتحاد الدولي لعمال الشحن والتفريغ الأكثر تقدماً، مضيفة أن رئيس الرابطة الدولية لعمال الموانئ أعلن دعمه للرئيس دونالد ترامب في انتخابات 2024.
وقالت فراي إنها تعتقد أن الرابطة الدولية لعمال الموانئ من أكثر النقابات يمينية في البلاد.
وتسلك منظمة «عمال الموانئ والمجتمعات من أجل فلسطين» مساراً بديلاً لتنظيم العمال، بعدما أثبت التعامل مع الرابطة الدولية صعوبة كبيرة.
وقالت فراي إن المجموعة التي تعمل معها بنجاح أكبر هي سائقي شاحنات الموانئ غير المنضمين إلى النقابات.
وسائقو الشاحنات في الموانئ متعاقدون مستقلون، وغالباً ما يوصفون بأنهم «عمالة مستغلة على عجلات». ووفقاً لفراي، فإن معظمهم من المهاجرين الذين لديهم وعي بالسياسة الدولية، ويميلون إلى دعم فلسطين.
ويرسل بعض سائقي الشاحنات صوراً إلى المنظمين عندما يرصدون معدات عسكرية على مقطوراتهم، لكن المنظمة قالت إن افتقارهم إلى النقابات واعتمادهم على شركتي «زيم» و«ميرسك» للعمل جعلا تنظيمهم مهمة صعبة.
وقالت فراي: «تملك الرابطة الدولية لعمال الموانئ القدرة على وقف شحن الأسلحة إلى (إسرائيل)، لكنها لا تملك الإرادة، أما سائقو الشاحنات في الميناء فلديهم الإرادة، لكنهم لا يملكون القدرة».
وأضافت أن النقاش الاستراتيجي بشأن الخطوات المقبلة مستمر، وأنه صراع طويل الأمد، فيما لا تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.
وتستخدم منظمة «عمال الموانئ والمجتمعات من أجل فلسطين» حالياً تكتيكين رئيسيين، هما الاعتصامات داخل الميناء والتواصل المجتمعي مع سائقي الشاحنات.
احتجاج أمام سفينة «زيم فيرجينيا»
يستخدم المنظمون البيانات المتاحة للجمهور لتحديد مواعيد تحميل سفن «زيم» و«ميرسك»، وتنظيم وقفات احتجاجية بالتزامن مع وصولها.
وخلال وقفة صباح 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، انضم موقع «موندووايس» إلى النشطاء عند مدخل محطة ماهر، بالتزامن مع وصول سفينة «زيم فيرجينيا» إلى الميناء.
وتجمع 35 شخصاً على رقعة عشبية قرب مدخل عمال الميناء، ورفعوا الأعلام الفلسطينية ووزعوا منشورات على العمال. وألقى أومبر، وهو منظم في «عمال الموانئ والمجتمعات من أجل فلسطين»، خطاباً أمام المحتجين.
وقال أومبر إن «زيم فيرجينيا» وصلت إلى محطة ماهر في الثامنة صباحاً لتحميل أسلحة تستخدم في العمليات الإسرائيلية في غزة، مشيراً إلى وجود قذائف ذخيرة وعلبها ضمن المواد المنقولة.
وأضاف أن سبب حضورهم عند وصول السفينة هو إبلاغ عمال الميناء وسائقي الشاحنات الذين قد ينقلون المواد بأن الأمر غير مقبول، واصفاً نقل هذه الشحنات بأنه جريمة يجب إيقافها.
وبدأت سيارات الركاب تتدفق إلى مدخل المحطة، متجاهلة المحتجين إلى حد كبير. وحاول أحد النشطاء تسليم منشور إلى سائق كانت نافذته مفتوحة، لكن السائق أعاده إليه.
وقالت فراي لاحقاً إن هذه السيارات كانت تقل عمالاً من الرابطة الدولية لعمال الموانئ، المكلفين بتحميل السفينة وتجهيزها للإبحار. أما سائقي الشاحنات الغائبون عن المحطة، فمن المرجح أنهم فرغوا حمولاتهم قبل يوم أو يومين.
وأشارت فراي إلى أن سائقي الشاحنات ردوا في اعتصامات أخرى بالتزمير والصراخ وإظهار الدعم، وأحياناً بإبطاء صف الشاحنات، بينما لم يبطئ عمال الرابطة الدولية في آخر اعتصام حتى لتلقي منشور.
وإلى جانب الاعتصامات، تنظم المجموعة أنشطة توعية تشمل توزيع منشورات في أماكن تجمع سائقي الشاحنات بين نوبات العمل، وتنظيم لقاءات مجتمعية لدعم قيادة العمال، وتوزيع أعلام فلسطينية لتعليقها على مرايا السيارات.
وقالت فراي إن بعض سائقي الشاحنات دعوا المنظمين إلى زيارة مسجد مرتين، حيث أعلنوا عن الأنشطة المقبلة ووزعوا المنشورات، مضيفاً أن السائقين حريصون على تقديم الدعم بهذه الطرق، لكن الصعوبة تكمن في عدم امتلاكهم أدوات كافية لوقف الشحنات.
ويهدف هذا العمل على المدى البعيد إلى مساعدة سائقي الشاحنات على تنظيم أنفسهم. وقال فراي: «إذا تمكنوا من تشكيل نقابة، فسيكون بإمكانهم القول: حسناً، لن نحمل أسلحة».
تصعيد التحركات المباشرة
قبل بضعة أشهر، وعلى بعد أقدام من موقع اعتصام سفينة «زيم فيرجينيا» في أكتوبر/تشرين الأول 2026، نفذت منظمة «حركة ميناء إليزابيث» تحركها المباشر الثاني في محطة ماهر بميناء نيوارك-إليزابيث، وذلك في 22 مايو/أيار 2026.
وحضر جوناثان نولت، وهو من سكان جنوب نيوجيرسي، بعدما جذبه نهج العمل المباشر الذي تتبناه المنظمة.
وقال نولت: «بدلاً من الاستمرار في المشاركة في المسيرات طوال الوقت، أردت الانخراط في حركات تعالج المشكلة على مستوى سلسلة التوريد. شعرت بصراحة بأنني محظوظ لوجودي في مكان قريب مني، حيث يمكنني فعل شيء حيال ذلك».
وبعد عملية أكتوبر/تشرين الأول 2025 التي عطلت شحنات «ميرسك سنتوسا»، رأت المنظمة فرصة لزيادة الضغط.
وقال منظموها إنهم فكروا في وسائل تجعل التحرك أقل قابلية للتفكيك، بعدما أزالت الشرطة في العملية السابقة مخاريط المرور والحواجز من الطريق.
وفي تحرك 22 مايو/أيار، استخدمت المنظمة عربة سكن متنقلة وشاحنة وقارباً لإغلاق محطة ماهر بالكامل. وربط نشطاء، بينهم نولت وكريمر، أنفسهم بأنابيب متصلة بالشاحنة باستخدام طريقة عُرفت باسم «التنين النائم».
وأدت العملية إلى توقف طابور طويل من الشاحنات، وحاصر النشطاء الميناء لنحو ثلاث ساعات.
وقال نولت إن التحرك منحهم وقتاً إضافياً لتعطيل شحنة الأسلحة، وربما أُطيلت حياة فلسطيني بسبب عدم وصول الذخيرة في الوقت المحدد.
واعتقلت الشرطة عشرة نشطاء، بينهم نولت وكريمر، خلال الفعالية، ويواجهون اتهامات مستمرة بالإخلال بالنظام العام.
وقال نولت إنه لم يكن يركز على أفراد الشرطة الذين استجابوا للحادث، بل كان يفكر في أن هذا هو المسار الذي يأمل أن تسلكه الحركة المؤيدة لفلسطين بصورة عامة، عبر إعطاء الأولوية لمعالجة المشكلة مباشرة بدلاً من الاكتفاء بالمسيرات والتجمعات الرمزية.
ورغم إيمانه بأهمية استمرار التعبئة الجماهيرية، يؤكد نولت ضرورة تغيير نموذج الحركة، قائلاً إن الفظائع التي ترتكبها دولة الاحتلال بحق الفلسطينيين تتطور باستمرار، ولذلك يجب أن تتطور أساليب المقاومة أيضاً.
وأضاف: «علينا أن ننقل نضالنا إلى مستوى سلاسل الإمداد بشكل جماعي».
وتواصل منظمة «عمال الموانئ والمجتمعات من أجل فلسطين» العمل طويل الأمد لتنظيم العمال في الميناء، فيما قال نولت إن هدفها يتمثل في تعريف الناس بسلم التصعيد في الاحتجاج، ووضع سوابق بشأن مستوى المخاطرة التي ستتحملها الحركة في مواجهة شحنات الأسلحة المتجهة إلى دولة الاحتلال.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع موندووايس أضغط هنا
