تتسع رقعة الخناق الاقتصادي في قطاع غزة مع تفاقم أزمة السيولة النقدية، التي باتت تحتجز نحو نصف مليار شيكل خارج دورة التداول اليومي.
وفي وقت تتركز فيه هذه الكتلة المالية لدى فئة محدودة من كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال، يقف المواطنون عاجزين عن توفير النقد الأساسي لشراء مستلزماتهم، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات القيود الإسرائيلية على حركة البضائع وأسعار السلع.
وتتقاطع أزمة "الكاش" مع تعقيدات متصاعدة على المعابر؛ إذ أقدم الاحتلال الإسرائيلي على وقف التنسيقات التجارية بدعوى رفض فرض رسوم مالية على الشاحنات، وهي ادعاءات فنّدتها وزارة الاقتصاد بغزة، مؤكدة أن المبالغ المطروحة لا تتعدى كونها مساهمات مجتمعية طوعية.
وبين مقترحات إلزامية الدفع النقدي وتحذيرات الرفض، تتصاعد التباينات في الأوساط التجارية حول السبل الكفيلة بفك ارتهان السيولة وإعادة ضخها في الشرايين الاقتصادية للقطاع.
وفي حديثين منفصلين لـ "وكالة سند للأنباء"، يُفكك القائم بأعمال الغرفة التجارية بغزة رياض السوافيري، ورئيس جمعية أصحاب النقل الخاص ناهض شحيبر، أبعاد أزمتي النقد والمعابر، وينبّهان إلى مخاطر استغلال التعطيل الإسرائيلي لمفاقمة الضغوط المعيشية على السكان.
نصف مليار خارج التداول..
يكشف القائم بأعمال الغرفة التجارية في قطاع غزة، رياض السوافيري، عن احتجاز ما بين 400 و500 مليون شيكل خارج التداول اليومي، مُحذرًا من تداعيات تركز هذه الكتلة النقدية لدى فئة قليلة من أصحاب رؤوس الأموال بدلاً من سريانها في الأسواق.
ويوضح السوافيري أن الكتلة النقدية الموجودة بالقطاع لم تغادره منذ 23 أكتوبر/ تشرين الأول، مشيرًا إلى أن المعضلة تكمن في شلل حركة النقد، ما يستدعي معالجات عملية لإعادة تدويره.
ويقترح إلزام التجار بالتعامل النقدي بالحد الأدنى، عبر تخصيص 20% من المعاملات التجارية للدفع النقدي وفق جداول منظمة؛ بما يُسهم في تحريك السيولة. ويعلل ذلك بأن المستوردين يعتمدون على التحويلات المصرفية لتغطية رؤوس الأموال وتكاليف الاستيراد، بينما يمكنهم تحصيل الأرباح نقدًا وإعادة ضخها بالأسواق.
ويلفت إلى إمكانية تنشيط الدورة النقدية من خلال جمع الفئات النقدية الصغيرة، كفئة الـ 10 شواكل، وإيداعها في المصارف لإعادة تداولها.
وعلى صعيد حركة البضائع، يُجدد السوافيري نفي وزارة الاقتصاد فرض أي رسوم إلزامية على الشاحنات، مؤكدًا أن المبالغ المطروحة تندرج ضمن مساهمات مجتمعية اختيارية.
وفي ملف الطحين، يكشف السوافيري عن تقليص برنامج الأغذية العالمي كمياته المدعومة الموردة للقطاع بنسبة 50% (من 10 أطنان إلى 5 أطنان)، مما يُحتم زيادة توريدات القطاع الخاص لتغطية العجز، متزامنًا مع مطالبات للجانب الإسرائيلي بزيادة الكميات المسموح بإدخالها.
ويُنبه إلى استمرار الاحتلال في تقليص عدد التجار المسموح لهم بالاستيراد من 15 تاجرًا إلى 8 تجار فقط، مما يُضيّق منافذ الإمداد.
ورغم هذه القيود، يستبعد السوافيري العودة إلى مربع المجاعة السابق، طمأنةً للمواطنين باستمرار توفر المواد الغذائية.
ودعا إلى تجنب التهافت والتخزين لمنع المضاربين من استغلال الوضع لرفع الأسعار.
هل الاحتلال يختلق الذرائع؟
من جانبه، يجزم رئيس جمعية أصحاب النقل الخاص في قطاع غزة، ناهض شحيبر، بأن تعليق التنسيقات التجارية جاء بقرار إسرائيلي مباشر وليس بطلب فلسطيني، مشددًا أن الاحتلال يتذرع بادعاءات باطلة تزعم مطالبة جهات حكومية بغزة بدفع 10 آلاف شيكل عن كل شاحنة.
ويكشف شحيبر عن عقد اجتماع مع وزارة الاقتصاد الوطني، ينفي خلاله المسؤولون فرض أي جبايات إجبارية، مؤكدين أن المسألة لا تتعدى كونها مساهمة مجتمعية طوعية، مُبْدِيين استعدادهم لمواجهة أي تاجر يثبت تعرضه للإجبار أو التهديد.
وينقل شحيبر عن تواصل تجار مع المنسق الإسرائيلي، الذي اشترط لإعادة التنسيقات رفع الإقامة الجبرية عن التاجر رائد أبو مرعي (أحد التجار الثمانية المعتمدين)، والتي فُرضت عليه إثر رفضه آلية لتصريف البضائع تعتمد تحصيل 25% من قيمتها نقدًا واستكمال الباقي عبر التطبيقات البنكية؛ وهي آلية طُرحت بهدف الحفاظ على استقرار السيولة النقدية.
ويوضح شحيبر مشاركة ممثلين عن الغرفة التجارية وإدارة المعابر والتجار في اجتماعات بحثت آليات التعامل المالي، مشيرًا إلى أنه أبدى موقفًا رافضًا لفرض أي قيود على حرية خيار التاجر والمواطن بين التعامل النقدي أو عبر التطبيقات البنكية.
ويرى أن أزمة السيولة لا تُحل بالضغط على التجار أو إجبار المواطنين، مفصّلاً جذور الأزمة بعدم دخول أي كتلة نقدية جديدة من إسرائيل أو خروجها من القطاع منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023؛ مما أدى إلى اهتراء الأوراق النقدية من جهة، وتكدس معظمها لدى كبار التجار من جهة أخرى، وحرمان صغار التجار والمواطنين منها.
ويدعو في ختام حديثه إلى إيجاد حلول واقعية تُعيد توزيع النقد وتُراعي الظروف الاستثنائية للقطاع التجاري المحاصر، بدلاً من تحميل التجار تبعات أزمة مالية تتجاوز قدراتهم.
